ومن عجائب التاريخ أن حركة النقل هذه ، وهي حركة على أكبر جانب من الأهمية في تاريخ العلوم والطب ، دارت كلها حول رجل لا تؤهله كفايته وحدها لمثل هذا العمل ؛ ذلك هو قسطنطين الأفريقى ، وقد دلت البحوث المستفيضة التي قام بها مؤرخو العلوم أخيرا على أن قسطنطين لم يكن عالما باللغة العربية علما واسعا ، ولعله لم يرجل إلى الشرق كما كان يدعى ، وعلمه باللاتينية ضعيف ، ولم يكن على علم خاص بالطب .
ولم يكن صادقا في نسبة الكتب إلى واضعيها ، وكانت هذه سنة شائعة بين المؤلفين حينذاك . وأغلب الظن أنه استعان بمن يعرفون العربية والعبرية واللاتينية خيرا منه . ولعله استعان كذلك بمن يعرف الطب خيرا منه .
والذي لا شك فيه أن ما عمله قسطنطين الأفريقى ( 1020 م - 1087 م ) كان عملا جليلا بالنسبة إلى الأمم اللاتينية مهما تكن كفايته لهذا العمل . وأجلّ أعماله أنه ترجم كتاب علي بن عباس ، وهو المعروف بكامل الصناعة أو الكتاب الملكي ، وسمى باللاتينية
« Libcr Regius »
، وترجمة هذا الكتاب فنج في تاريخ الطب اللاتيني . ولم تكن ترجمة قسطنطين خير ترجمة ، وقد قام اسطفان الأنطاكي - وهو ممن رحلوا إلى الشرق في الحروب الصليبية - بترجمة أخرى للكتاب في سنة 1247 م .
وأذكر أن أحد الباحثين قال إن الأمم اللاتينية ، عرفت الطب اليوناني وفوقه ضباب الطب العربي ، وهذا عجيب لأن الضباب كان مخيما - في الواقع - على الطب اليوناني ، الذي لم تستطع الأمم اللاتينية أن تعرفه حقا ، لما كان فيهم من قصور عن الإلمام به ، ولا يشك أحد أن العرب هم الذين رفعوا الضباب عن الطب اليوناني ، وهم الذين أوضحوا غوامض هذا الطب ، وشرحوه ، وطبقوه ، وعلموه لغيرهم .
الأندلس :
كان للحضارة العربية في الأندلس ، بريق خلب ألباب معاصريها