صقلية وسالرنو :
فتح العرب صقلية في أوائل القرن التاسع الميلادي ، وحكموها نحو قرنين . في ذلك العصر كانت الحضارة في سالرنو وبالرمو ( صقلية ) ، مزيجا من الثقافة العربية واللاتينية والإغريقية . وكانت الصدارة بالطبع للثقافة العربية ، وخاصة أن تفوق العرب في العلوم عامة ، والطب خاصة ، كان واضحا كل الوضوح . ولما زالت دولة العرب ، وجاء الحكام النورمان ، ظلت الثقافة العربية قائمة . وعنى النورمان بالعلوم العربية ، وخاصة ملكهم الشهير ( فريدريك الثاني ) الذي كان يعرف العربية ، ويخاطب بها ضيوفه العرب . وكان أعجوبة زمانه ، علما ، وحكمة ، وسياسة ، وكان يشجع العلماء من كل جنس ، لا يفرق في ذلك بين مسلم ومسيحي ويهودي .
وكانت الصلات وثيقة جدا بين شمال أفريقيا وصقلية وسالرنو ، وكانت العلوم في شمال أفريقيا في ذلك العصر مزدهرة إلى حد كبير ، ولعلها لم تكن تقل كثيرا عن علوم الشرق ، وكان بعض المعنيين بالطب في تلك المنطقة من اليهود ، وأشهرهم إسحاق بن سليمان الإسرائيلى ( توفى سنة 1142 ) ، الذي نشأ في مصر وعاش أكثر عمره في القيروان ، ونبغ من تلاميذه ابن الجزار واشتهر أيضا من الأطباء موسى بن ميمون طبيب صلاح الدين .
ومن علماء ذلك العصر أبو منصور الهروي ، وماسويه المارديني ، وكانا من العارفين بعلم العقاقير . ومنهم أيضا عمار الموصلي ، وعلي بن عيسى مؤلف تذكرة الكحالين ، وكلاهما رمدى . وألف ابن رضوان المصري كتابا مفيدا اشتهر في ذلك الوقت ، سماه شرح الصناعة الصغيرة لجالينوس ، وكتب ابن جزلة كتبا طبية على نحو لم يكن معروفا من قبل ، حيث وضع للعلاج السريع ، جداول إجمالية ، يسهل على الطبيب مراجعتها .
كان النقل من العربية إلى اللاتينية يقوم به في أغلب الظن مترجمون مختلفون ، يتعاونون فيما بينهم ، كل فيما يحسنه ، على هذا العمل الشاق .