تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
فأرسل إليه طبيبا نصرانيا يقال له ثابت فما غاب عشرة أيام حتى عاد ، فقلنا ما أسرع ما داويت المرضى - قال : أحضروا عندي فارسا قد طلعت في رجله دملة وامرأة قد لحقها نشاف . فعملت للفارس لبيخة ففتحت الدملة وصلحت . وحميت المرأة ورطبت مزاجها . فجاءهم طبيب فرنجى فقال لهم هذا ما يعرف شيئا يداويهم . وقال للفارس أيهما أحب إليك أن تعيش برجل واحدة أو تموت برجلين . قال أعيش برجل واحدة ، قال أحضروا لي فارسا قويا وفأسا قاطعا فحضر الفارس والفأس وأنا حاضر . فحط ساقه على قرمة خشب وقال للفارس : اضرب رجله بالفأس ضربة واحدة واقطعها . فضربه وأنا أراه ضربة واحدة ما انقطعت ضربه ضربة ثانية فسال مخ الساق ومات من ساعته . وأبصر المرأة فقال هذه المرأة في رأسها شيطان قد عشقها - احلقوا شعرها فحلقوه وعادت تأكل من مأكلهم الثوم والخردل فأخذ الموسى وشق رأسها صليبا وسلخ وسطه حتى ظهر عظم الرأس وحكه بالملح فماتت من وقتها . فقلت لهم : بقي لكم إلى حاجة ؟ قالوا : لا . فجئت وقد تعلمت من طبهم ما لم أكن أعرفه . عاد الصليبيون إلى بلادهم ولم ينقلوا إليها شيئا من طب العرب رغم ما كانوا يعرفونه يقينا من تفوقهم فيه . يتبين من ذلك أن الصليبين لم يعملوا ما عمله أهل صقلية وسالرنو الذين نقلوا كتب الطب العربية إلى لغتهم . وقد يكون ذلك لأنهم كانوا مشغولين بالحروب ، وإن كانت هناك - في الواقع - فترات طويلة من السلم ، كان الفرنج يستطيعون أن يلموا فيها بالطب العربي ، وعندي أن قصورهم عن هذا العمل ، يرجع إلى أن نقل العلوم من أمة إلى أخرى ، لا يتم إلا أن يكون بين الأمم تقارب في مستوى الثقافة ونوعها ، ولم يكن لدى الصليبين قدر كاف من الحضارة ، يسمح لهم باستيعاب العلوم العربية ، ومع حاجتهم إلى الطب ، فإنهم لم يريدوا أن يتعلموا منه ما لم يكونوا يعرفون ، ولو أرادوا ذلك ما استطاعوا .