ولنذكر أن نهضة طبية مماثلة قامت في الأندلس ، وتطورت على غرار طب الشرق ؛ سوى أنهم عنوا عناية خاصة بالجراحة ، وكتب فيها الزهراوى كتبا قيمة وصف فيها آلات جراحية من اختراعه ، ووصف عمليات كثيرة وصفا دقيقا كالشق والكي والفصد وتفتيت الحصى .
ومع أن الطب العربي لم يتقدم كثيرا بعد ابن سينا وكتابه ، إلا أن فن العلاج في البيمارستانات ظل يتقدم ، وتحسنت حال المرضى في هذه المؤسسات ، وعنى بها الأمراء والأطباء فبلغت مبلغا تحدث به الرحالون .
ويلاحظ في النهضات العلمية أنها حين تبلغ الكمال تظهر فيها علامات الثورة على تعاليمها الكلاسيكية . ويبدأ الانتقاض عليها بالشك في بعض مسلماتها . من ذلك قول عبد اللطيف البغدادي إن جالينوس أخطأ في قوله إن الفك الأسفل عظمتان وهو لا يكون إلا عظمة واحدة . وقال ابن النفيس إن جالينوس أخطأ في قوله إن بين البطين الأيمن في القلب والبطين الأيسر فتحة واحدة أو فتحات صغيرة ، ووصف ابن النفيس الدورة الدموية الصغرى وصفا صحيحا مخالفا في ذلك ما قال به الناس جميعا من قبله .
كان اعتراض العرب على جالينوس أكثره في أمور العلاج حين كانت خبرتهم تختلف عما قال به جالينوس . أما أن يكون جالينوس مخطئا في وصف حقائق التشريح فالقول بذلك كان جرأة لم يقدم عليها أحد قبل ابن النفيس والبغدادي .
كانت هذه حال العلوم الطبية في الدولة الإسلامية الممتدة من فارس إلى الأندلس طوال سبعة قرون .
سمعت الأمم اللاتينية يتقدم الطب في هذه الدولة وعلمت عنه الشئ الكثير . فجاءوا إلى البلاد الغربية يتعلمون فيها الطب على يد مشاهير الأساتذة في هذا الفن العظيم .
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 33
مساهمون: محمد كامل حسين
ص٣٣