الأخطاء في ذلك كله ، يلتمسون ذلك عن طريق التفكير المنظم والفريق الثاني كان أكبر همهم تنسيق الحقائق واستقامة المنطق ، وربط الأسباب بالمسببات ، وصدق التقسيم والتبويب ، ووضوح ذلك كله ، يؤكدون أمورا قد لا يعنى بها الطبيب في عمله حين يرون ذلك ضروريا للعرض المنطقي الكامل .
وابن سينا بلغ الغاية في الفلسفة والطب ، ولكنه مع ذلك كان أكثر ميلا بطبعه إلى الفلسفة . ومن هنا كان كتابه مقبولا عند المفكرين والدارسين ، على حين أن كتب الرازي كانت أكثر قبولا عند الممارسين خاصة . ولعل ابن سينا لم يتفرغ لفحص المرضى واستنباط خير علاج لهم . ولا يعنى هذا أن علمه بالطب كان ناقصا . ولكنه يعنى أن تصوره للطب كان تصورا يليق بفيلسوف مثله . ولعله كان يرى ما كان يعتقده أكثر الناس إلى عهد قريب أن ثقافة الطبيب الممارس ثقافة مهنية ، وأن فلسفة الطب أصدق وأرقى من ممارسته .
وكتاب « القانون » من الكتب العالمية مثله كمثل فلسفة أرسطو ، وهندسة أوقليدس ، والماجسطى في الفلك ، وكتاب سيبويه في النحو . هذه الكتب تمثل غاية العلم القائم على نوع خاص من التفكير . فيها حل لكل المشاكل المتعلقة بموضوعها بحيث لا يجد دارسوها حاجة إلى الزيادة فيها أو تغييرها . وهذه من خصائص العلم القديم القائم على كليات محدودة ، فكان من الممكن للعباقرة أن يبلغوا غايته . أما العلم الحديث الذي يقوم على مشاهدات وتجارب فمن المستحيل أن يستوعبه عقل رجل واحد .
قصرنا بحثنا حتى الآن على المؤلفات الطبية ولا يصح أن نهمل ما حققه المشتغلون بالعقاقير فقد بدءوا هم كذلك بترجمة ديوسقوريدس ، ثم فاقوه .
جاب العشابون العرب الأمصار يصفون نباتاتها وخواصها . وكتبت كتب جيدة في العقاقير وأشهرها ما كتبه ابن البيطار وداود الأنطاكي .
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 32
مساهمون: محمد كامل حسين
ص٣٢