ويعيب على أبقراط غموضه وإيجازه . ويعيب على جالينوس إطنابه البالغ .
وقد ردد تلميذه علي بن العباس هذا الرأي في أول كتابه كامل الصناعة .
على أن مجد الرازي يقوم في الواقع على علمه بالطب العملي وخدمته فيه وما ابتدعه من تدوين المشاهدات والتعليق عليها . وهو عمل لم يسبق إليه من قبل . جمع ذلك كله في كتاب الحاوي . وإذا قدرنا أن الحاوي ليس كتابا بالمعنى المألوف ، وأنه ليس إلا سجلا لمشاهداته ، فلن نجد غرابة في ضخامته ونقص ترتيبه واختلاف أسلوبه ، فقد كان هو وتلاميذه يدونون المشاهدات دون ترتيب خاص .
ويكفيني أن أشير هنا إلى الخصائص التي يتمتع بها الرازي من حيث هو طبيب معالج . ومن أظهر صفاته استقصاؤه أعراض المريض . وهو يغضب غضبا شديدا عندما يخطئ ويكون خطأه راجعا إلى نقص في سؤال المريض ويقول عند ذلك « يجب ألا نغفل غاية التقصي » . ومن جميل قوله إنه « يضع ترتيبا للعلامات على قدر أهميتها » ، وهو ما نسميه هيرارشية العلامات ، وهو يقول « إن العلامات تختلف في دلالتها على قدر وقت حدوثها من تاريخ المرض » . وهو يكبر أمر تقدمة المعرفة ويضع لها قواعد فنراه يقول :
« اجمع العلامات الجيدة والرديئة بمراتب قواها في ورقة وراقبها دواما » .
وله عناية خاصة بالتشخيص المقارن . وله قول جيد في أمراض الجهاز البولى والقولنج والحميات وهو أول من فرق بين الحصبة والجدري .
وليس لنا أن ننسب إلى الأطباء العرب معرفة بالعلم التجريبى كما نعرفه اليوم ، ولكننا نرى في أقوال الرازي ما يدل على فهمه لبعض أسس التجربة بالمعنى الحديث . فنراه يقول « فمتى رأيت هذه العلامات فتقدم ( 1 ) نفس المصدر ، ص 75 .
( 2 ) نفس المصدر ص 17 ، 75 .
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 30
مساهمون: محمد كامل حسين
ص٣٠