يعلم العرب هذه العلوم فلا يكون اعتمادهم في تقدمهم على من يستقدمونهم من الأجانب .
الطبقة الثانية - عصر الترجمة :
كان هذا في عصر المأمون ومن جاء بعده من الخلفاء . وكان في بغداد حينذاك ثلاثة رهط كل رهط ينسب إلى بلد بعينه ، وكان لكل منهم في بغداد عمل محدد . أما الرهط الأول فكان قوامه أهل جنديسابور وعلى رأسهم جبرائيل بن بختيشوع ، كان عملهم مداواة الخلفاء والأمراء ، وكانوا على ذلك قادرين .
أما الرهط الثاني فكانوا من أهل الحيرة وعلى رأسهم حنين بن إسحاق ، وهو من أكبر نوابغ ذلك العصر ، وكان معه ابنه إسحق وابن أخته حبيش .
أراد حنين بن إسحاق أن يتعلم الطب ، وتتلمذ على حنا بن ماسويه ، فلما تبينت له قدرته على التفقة في اللغات عكف عليها وأتقن السوريانية ، ثم رحل إلى اليونان وحذق لغتها ، ثم ذهب إلى البصرة وتلقى العربية على خير علمائها . وكان طبيعيا أن يعهد إليه المأمون برئاسة بيت الحكمة ، وقام حنين بترجمة الكتب الطبية اليونانية ترجمة متقنة دقيقة . والترجمة في مثل هذه الحالات عمل جليل يحتاج إلى كثير من الذكاء والعلم . ذلك أن المترجم لا يستطيع أن يترجم الكتب العلمية إلا إذا كان قادرا على فهم مادتها فكان على حنين أن يفهم الطب حتى تكون ترجمته لأبقراط وجالينوس ترجمة صحيحة مفهومة .
ولم تكن الصعوبات التي واجهت حنين بن إسحاق ورجاله الذين عملوا معه في بيت الحكمة بالشئ القليل ؛ كان عليه أن يترجم المصطلحات العلمية ، ولم يعجزه ذلك ؛ فكان يختار الكلمات العربية للمصطلحات التي لا يتم فهمها بغير تفهم معناها كالمزاج والأخلاط والقوى والأركان أما