وعندي أن العرب أعدتهم علومهم الخاصة بهم ومنهجهم فيها وتقدمهم في أصولها وفروعها إلى استقبال العلوم التي لم يكن لهم بها عهد والتي تقوم في جوهرها على تفكير قريب جدا من تفكيرهم . ومن هنا كان النجاح الذي أحرزته الفلسفة والطب والعلوم اليونانية لدى العرب . وليس صحيحا أنهم تعلموا هذا النوع من التفكير بعد أن عرفوا الحضارة الأغريقية . بل الصحيح أنهم عرفوا هذه الحضارة لتوافقها مع تفكيرهم حينذاك .
ومما زاد في إقبال العرب على الطب وضوح مبادئه ونجاح وسائل العلاج القائمة على هذه المبادئ . ولم يجدوا صعوبة في التوفيق بين خبرتهم العملية والأسس الفكرية التي نقلوها فعلا من اليونان .
* * * تاريخ الطب العربي تاريخ طبيعي يشبه في جوهره تاريخ النهضات العلمية عامة ، سوى أن خطواته تعاقبت سراعا . وكان تطوره على مراحل واضحة المعالم قام بها الأطباء العرب طبقة بعد طبقة . فكانت كل طبقة تبدأ من حيث انتهى علم من سبقوها وتزيد فيه . والتقدم العلمي في هذا التطور واضح ثابت ؛ لا يحتاج في إثباته إلى ما روى القصاصون . وقد أفسد علينا هذا التاريخ ما رواه المؤرخون العرب من نوادر لا يمكن أن تكون صحيحة « 1 » .
هامش
( 1 ) روى في بعض الكتب العربية والفارسية أن الرازي جاءه مريض ينفث دما فسأله عن رحلته وعلم منه أنه شرب من عين في الطريق . فقدر أنه شرب مع الماء علقة . فسقاه طحلبا حتى انصرفت العلقة عن الالتصاق بجدار معدته لتأكل الطحلب وهو غذاؤها الطبيعي . ثم سقاه مقيئا شديدا فخرجت العلقة وشفى المريض . هذا بالطبع حديث خرافة . ولكن له أصلا ذلك أن الرازي يروى في بعض مشاهداته أن رجلا كان يقىء دما . ثم استفرغ مرة استفراغا شديدا فخرجت قطعة لحم من معدته . وقدر الرازي أن هذه القطعة كان لها ساق دقيقة انقطعت عند القئ . وواضح أن الحالة على هذا الوصف لا تكون إلا وزمة : «POLYP» وتصور الرازي لها صحيح تماما . ولكن القصاصين جعلوا من هذه الحالة الطريفة خرافة تقوم على العلق والطحلب .