وأفسده كذلك مدح المادحين المسرفين الذين ظنوا أن الأطباء القدامى كانوا يعرفون من الطب ما لا نعرفه اليوم ؛ وأفسده فوق ذلك قدح القادحين الذين ظنوا أنه كان علما منقولا لا حياة فيه ولا روح .
وأود أن أدلل على حياة الطب العربي وقوته بدليل بيولوجى لا يدحض وهو النمو . والمطلع على طب حنا بن ماسويه أو حنين بن إسحاق ( منتصف القرن الثامن الميلادي ) وطب الرازي وابن سينا لا يسعه إلا أن يعترف أن الطب العربي ، كانت له حياته القوية المستقلة .
* * * سمع الخلفاء العباسيون الأولون الكثير عن الطب اليوناني وخبروه فوجدوه علما عظيم الفائدة . ورأوا أنه علم لا يليق بالأمة العربية أن تغفله .
ففعلوا ما تفعله كل أمة في أول نهضتها . استقدموا الحبراء وأرسلوا البعثات إلى مواطن العلم الذي يريدون اقتباسه . فعلت مصر ذلك في أول القرن التاسع عشر . وتفعله كل الأمم الناهضة حتى الآن .
وسنقسم تاريخ الأطباء العرب إلى طبقات ، ونذكر من كل طبقة أشهر رجالها وما اختصوا به .
الطبقة الأولى - عصر الرواد :
أشهر رجال هذا العصر - فضلا عن آل بختيشوع - حنا بن ماسويه .
ترجم كتبا طبية نقلها عن ترجمات سوريانية ، ولم يلبث العرب أن تركوها وعكفوا على الترجمة من اليونانية رأسا . وروى الرواة أنه شرّح قردا . كل هذا بعيد غامض . ولعل أكبر فضل له أنه أول عربى تولى الترجمة والتأليف والعلاج وإن لم يبلغ في أيها مبلغا كبيرا .
أمر هارون الرشيد بجمع كل ما يمكن جمعه من الكتب اليونانية والسوريانية في الطب وغيره ، محاولا بذلك أن يتأصل العلم في بغداد ، وأن