مباشرة ، وكان ذلك بدء استقامة التفكير العلمي عندهم . وسرعان ما ترك العرب طب السوريان واستقلوا عنهم وتفوقوا عليهم تفوقا ظاهرا في التأليف والممارسة .
* * * شهد الناس في بغداد شيئا لم يعرفه التاريخ من قبل ، شهدوا أمة فاتحة تملى شروط الصلح على المغلوبين فتطلب إليهم أن يقدموا لها كتب العلم والفلسفة والطب غرامة حربية . هذا ما فعله العرب في صلحهم مع الروم ، وهذا وحده دليل قاطع على أن العرب كانوا على استعداد لقبول هذه العلوم . بل إني أذهب إلى أكثر من ذلك فأقول إن التفكير العربي كان قد بلغ في تطوره حدا يجعله قريب الشبه جدا بالتفكير اليوناني ، وهذا سر نموه عندهم . ولو لم يكن الأمر كذلك لبقى الطب اليوناني فيهم ضعيفا قاصرا كما كان عند السوريان أو عند اللاتين في ساليرنو .
خيل إلى كثير من مؤرخي العلوم والفلسفة والطب أن الحضارة العربية كانت أرضا جرداء حتى جاءها العلم اليوناني فرواها وأخصبها . وهذا خطأ ، فالعرب كانت لهم علومهم الخاصة بهم ، ساروا فيها شوطا كبيرا ووضعوا لها أصولا مستقرة ومناهج واضحة . وكان هذا من عملهم وحدهم على غير مثال .
من ذلك علمهم بالفقه ، ولعله أتم العلوم العربية وأعرقها . ويدل تمكنهم من هذا العلم على نضج في الفكر لم يفطن إليه زمن تعرضوا لتاريخ العلوم الطبيعية وحدها عند العرب .
وكذلك علمهم باللغة والنحو والعروض . هذه علوم خاصة بالعرب ، ولهم فيها بحوث عميقة وافية ، وقواعد مستقرة ، وشروح مستفيضة .
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 22
مساهمون: محمد كامل حسين
ص٢٢