ولم يكن من أغراض الأطباء العرب أن يبرعوا القدماء في ما قالوه .
وإنما عرضوا علم أبقراط وجالينوس على خبرتهم ، فأبقوا على ما هو صواب ، ونبذوا ما هو خطأ . وقد مضى العهد الذي كان فيه تاريخ العلوم ميدانا للمفاضلة بين الأمم . ويجب أن يكون تاريخ العلم تاريخا لتطور التفكير العلمي . والواقع أن جالينوس ظل في دائرة الكليات التي وضعها أبقراط إلا شيئا قليلا جدا .
وما فعله الرازي في الطب الإكلينيكى وما فعله ابن سينا في تنسيق العلم الطبى وإيضاحه أكثر كثيرا مما فعل هيروفيليس بطب أبقراط .
الطب اليوناني والطب العربي يمثلان عصرا واحدا من التفكير الطبى ، هو عصر الخبرة المنظمة عقليا ، وهو عصر دام عشرين قرنا . وضع أبقراط كلياته ومنهجه ، ثم فصله وفرع عليه جالينوس ، ومارسه الرازي ، ونسقه وأوضحه ابن سينا إيضاحا ليس بعده مزيد . إلى أن عرف الناس العلم التجريبى وعلم الكيمياء .
عرف السوريان طب أبقراط وجالينوس ومارسوه عدة قرون ، وكانت عندهم ترجمات لكتب الطب اليونانية ، ولكن علمهم بهذا الطب ظل على ما هو عليه طوال تلك القرون .
أما العرب فقد عرفوا طب أبقراط وجالينوس فازدهر فيهم ونما نموا كبيرا . وطبق الأطباء العرب العلم النظري تطبيقا جميلا . هذه ظواهر بحب أن نتدبرها لأنها لم تكن مصادفة ، بل لها أسبابها ونتائجها .
وعندنا ما يحمل على الظن بأن الترجمات السوريانية لكتب أبقراط وجالينوس لم تكن دقيقة ولا واضحة . ولما بدأ العرب يتعلمون الطب نقلوا عن السوريانية بعض هذا العلم ، والترجمات المزدوجة تدعو إلى الخلط والغموض . ولم يلبث العرب إلا قليلا ثم عرفوا ما في الترجمات السوريانية من ضعف ، فعدلوا عنها وأقبلوا على الكتب اليونانية ينقلونها إلى العربية
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 21
مساهمون: محمد كامل حسين
ص٢١