أما الجراحة فلم تتقدم لارتباطها بفن التشريخ ولاعتبار الجراحة من المهن اليدوية التي لا تليق بمقام الأطباء ، حتى إن قسم أبو قراط نص على العبارة التالية : « وألا أستعمل المبضع - ولو عن يقين - في علاج المرضى بالحصيات وإنما أعالجهم بمقتضى ما يراه ذوو الخبرة بمثل هذا العلاج » .
وهنا نذكر عن ابن زهر - الذي توفى سنة 1162 م « 1 » - قوله إن الجراحة لا تليق بالأطباء ، كما أن الطبيب لا يليق به أن يحضر العقاقير . وبذلك فصلت الجراحة عن الأمراض الباطنة في أوروبا ، وتدهور حال الجراحة .
وعندما نشر الطبيب الأسبانى الراهب ميجيل سرفيتوس - وكان زميلا لفيساليوس عام 1553 م . في مجلة دينية عن ( وجود مجار للدم بين القلب والرئتين ) « فالشريان الرئوى يحمل الدم من بطين القلب الأيمن إلى الرئتين ، والوريد الرئوى يحمله من الرئتين إلى أذين القلب الأيسر » . ثار عليه جون كالفين صاحب المذهب المعروف باسمه ، وكان صاحب السلطان الديني في سويسرا ، فاستدعى سرفيتوس إلى جنيف واتهمه بالزندقة وحكم عليه بالموت حرقا في أكتوبر 1553 ، ولكن عندما ذكر ابن النفيس قبل ذلك بثلاثة قرون هذا الكشف الهام سنة 1258 وصحح خطأ جالينوس بقوله في كتابه « شرح تشريع القانون لابن سينا » ، « إن الحاجز البطينى خال من المسام غير نضاح ، وإن القلب لا يتغذى من الدم الذي تحتويه تجاويفه بل من الأوعية الصغيرة المنبثة في جوهره ، وإن الدم إذا لطف نفذ في الوريد الشريانى إلى الرئة لينبث في جرمها وخالط الهواء ويتصفى وينفذ إلى الشريان الوريدى ليصل إلى التجويف الأيسر من تجاويف القلب » ، لم يثر عليه المسلمون ولم ينعتوه بالكفر ولم يحكموا عليه بالحرق حيا . وقال ابن النفيس في مقدمته لشرح الكتاب الثالث من القانون لابن سينا الخاص بالتشريح « وقد صدنا عن
هامش
( 1 ) صاحب كتاب « التيسير في المداواة والتدبير » الذي ترجم إلى اللاتينية فكان له أثر عظيم في تقدم الطب الأوربى .