تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
ضاع كثير من مؤلفات العرب بسبب ما أتاه هولاكو وأتباعه المغول من التخريب والتدمير عندما اجتاحوا مدينة بغداد سنة 1258 ، وبسبب ما فعله أمراء أسبانيا أيضا من التخريب بعد خروج العرب من الأندلس وتناسوا أن تراث العرب العلمي كان أساس الثقافة الأوربية من القرن التاسع إلى القرن الثاني عشر ، وأن اللغة العربية كانت لغة العلم والفلسفة من حدود الهند وسور الصين شرقا إلى المحيط الأطلسى وسهول لومبارديا غربا . ونذكر قول نورغ أحد أساتذة جامعة مونبلييه في خطاب ألقاه في إحدى الجامعات الإسبانية « إن أسبانيا كانت دولة قائمة بنفسها ينحلى أهلها بقوة حيوية قومية غير معهودة في غيرهم ، كما أن لهم من سرعة الفكر والاستعداد للنضال ما يجعل منهم أمة فريدة ، ويرجع ذلك إلى استيلاء العرب على أسبانيا واختلاطهم بشعبها مما أدى إلى السير بأوربا في مضمار التقدم » . لقد ترك العرب أسبانيا في القرن الخامس عشر ، وفي 2 يناير سنة 1492 جلا العرب عن غرناطة فتركوا فيها كما قال الأديب الفرنسي كلود فارير - « من قصر الحمراء بقية باهرة تتأمل فيها القرون القادمة ، وفي طليطلة خزانة لكتب الطب والعلوم تغذت بها بعد ترجمتها البشرية عصورا طويلة » . عاب بعض الغربيين على الأطباء العرب تعلقهم بنظرية الأخلاط والقوى كما عرفها أبقراط وجالينوس ، وقالوا إن عملهم بالأمراض مبنى على نظرية القوى والأخلاط والحرارة الغريزية والمشاكلة بين الجسم وما يحيط به . ولكننا نقول إن الأطباء العرب - فضلا عن أنهم أطباء إكلينيكيون من طبقة ممتازة - كانوا كذلك فلاسفة وحكماء . عرفوا الكثير من أسرار النفس البشرية مما عاونهم في علاج الجسم ، وكانت فلسفة العلاج ترجع إلى شخصية الطبيب وإلى قوة الإيحاء . إنه من الظلم أن يبخس المغرضون قدر الطب العربي الذي عاش في ظل آراء بعيدة عن آرائنا وأسلوب في الحياة والتفكير لا صلة له بحياتنا الحاضرة . ونظرية الأخلاط التي يعيبونها على العرب هي أقرب ما يكون إلى نظرية توازن الإفرازات الهرمونية في الدم والتي إذا ما اختل النوازن أحدثت كثيرا من الأمراض .
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 236 | محمد كامل حسين