نظرة العلماء والمؤرخين غير العرب للطب العربي
قد يقول البعض إن المعلومات القديمة لا تقيدنا بشئ ، إذ ليس فيها ما يلائم العصر الحاضر ، ولكن الحقيقة غير ذلك ، لأن التراث الذي خلفه الأقدمون هو الذي بلغ به الإنسان إلى علمه الحاضر . وجهود فرد أو جماعة في ميادين المعرفة ، تمهد السبيل لظهور جهود جديدة من أفراد أو جماعات أخرى ، لولا ذلك ما تطورت المدنيات . فلو لم يظهر ابن النفيس ما ظهر هارفى ، ولو لم يظهر ابن الهيثم لاضطر نيوتون أن يبدأ من حيث بدأ ابن الهيثم ، وعلى هذا يمكن القول « لولا جهود العرب لبدأت النهضة الأوربية في القرن الرابع عشر من النقطة التي بدأ منها العرب نهضتهم العلمية في القرن الثامن للميلاد » .
الحضارة العربية ظاهرة طبيعية ليس فيها شذوذ أو خروج عن منطق التاريخ ، فلم يكن بد من قيامها حين قامت . وقد قام أصحابها العرب بدورهم في تقدم الفكر وتطوره ، ولم يكونوا مجرد ناقلين كما قال بعض المغرضين ؛ بل إن في نقلهم روحا وحياة ، أبعد ما يكون عن الجمود ، وقد خطوا في العلوم والطب خطوات كان لها أبعد الأثر في تقدمها .
وفي هذا يقول جورج سارتون « إن بعض المؤرخين يحاول أن يبخس قدر ما قدمه العرب للعالم ، ويصرحون بأن العرب والمسلمين نقلوا العلوم القديمة ، ولم يضيفوا إليها شيئا » . . . ثم يقول سارتون « إن هذا الرأي خطأ ، وإنه لعمل عظيم أن ينقل إلينا العرب كنوز الحكمة اليونانية ، ويحافظوا عليها ، ولولا ذلك لتأخر سير المدنية قرونا عديدة » . وقال في موضع آخر « إن العرب كانوا أعظم معلمين في العالم وإنهم زادوا على العلوم التي أخذوها ولم يكتفوا بذلك بل أوصلوها إلى درجة جديرة بالاعتبار من حيث النمو والارتقاء » .