تنازل الأطباء بحكم واجبهم الإنسانى عن أجور معالجة الفقراء « 1 » . أما من حيث واجبات الأطباء فقد تفوق العرب في رسم تقاليد تضمن أدائهم لهذه الواجبات على خير وجه ، وتضمن للمجتمع محاسبتهم إذا أخطأوا عن جهل فاضح أو عمد . ولعل أول صورة لذلك ما جاء في الحديث الشريف ، من تحديد لمسئولية الطبيب في قول الرسول صلى اللّه عليه وسلم « من تطبب ولم يعرف عنه طب فهو ضامن » . أي أنه مسؤول عن عمله محاسب عليه .
ثم يبلغ تنظيم الرقابة على ممارسة مهنة الطب أوج عظمته في التقاليد التي اسننها العرب في إجازة الطب وفي نظام الحسبة على الأطباء والصيادلة ، فقد كان الأطباء في أول عهد الدولة الإسلامية يمارسون الطب بعد قراءته على أي طبيب من مشاهير الأطباء أو في كتب الأقدمين ، أو يمارسونه أخذا عن آبائهم ثم يباشرون الصناعة بعد ذلك بغير قيود ، واستمر الحال على ذلك حتى نظم الخليفة العباسي المقتدر باللّه هذه الممارسة ، إذ فرض على من يريد ممارسة الطب أن يؤدى امتحانا لإجازته ، وأمر بأن يكف عن ممارسة الطب جميع الأطباء إلا من يمتحنه سنان بن ثابت . وفي أيام الخليفة المستنجد باللّه فرضت رئاسة الطب ببغداد إلى أمين الدولة بن التلميذ امتحان المتطببين .
وقد نظمت الرقابة على الأطباء والصيادلة وكان يقوم بها مأمورون بطلق على كل منهم « المحتسب » « 2 » ( وهو الذي يأخذ على الأطباء عهد أبقراط . . .
وعليه أن يتأكد أن على الطبيب أن يكون لديه جميع آلات الطب مما يحتاج إليه في صناعته ، وأن يمتحن الأطباء فيما جاء في كتاب حنين المعروف « محنة الطبيب » . أما الكحالون فيستحنون في كتاب حنين بن إسحاق « عشر مقالات في العين » في معرفتهم تشريح العين وعدد طبقاتها وأمراضها ، وفي تركيب
هامش
( 1 ) مثل ما نقله ابن أبي أصيبعة ( ج 2 ص 130 ) من رجل من خراسان ادعى الفقر حتى ارتضى الطبيب ابن وصيت الصابى أن يعالجه مقابل ثمانين درهم ، فلما ثبت كذب ادعائه لفقر رفض علاجه .
( 2 ) تاريخ البيمارستانات في الإسلام لأحمد عيسى ص 52 .