وقد دعا الإسلام إلى الأخذ بالعلم بوجه عام بما في ذلك بالطبع ما يتصل بأمور الطب ، لم يقف منه موقف العداء كما وقفت بعض العقائد ليس فقط في العصور القديمة بل أيضا في العصور الوسطى ، فقد أطلق الإسلام العلم من عقاله وحث المؤمنين على طلبه أينما كان ، وفصل بين الطب القائم على العلم المتوارث عن معارف الأقدمين أو التجربة وبين السحر ؛ وأقر العلاج بالنباتات والوصفات الطبية والحجامة والكي وغيرها مما حققت فائدته تجارب الأولين ؛ ودعا الناس إلى طلب العلاج والتداوي والعناية بأبدانهم ، وكان ذلك منذ نشأة الإسلام الأولى ، فالرسول صلى اللّه عليه وسلم يقول ( ما أنزل اللّه من داء إلا أنزل له شفاء « 1 » .
واستمرت رعاية الإسلام للعلم ، ولم نسمع عن اضطهاد أصاب عالما في ظل الدولة الإسلامية لشأن من شؤون العلم . ويمكننا القول بوجه عام إن العمل بالشريعة الإسلامية وما اقتضت إليه من أسلوب في الحياة وعلاقة الأفراد بعضهم ببعض يكسب الإنسان اسمى مراتب السعادة الصحية والجسمية والعقلية .
ولقد كان من تقاليد المهنة الطبية منذ نشأتها توارث هذه المهنة أبا عن جد ، مثلها مثل كثير من المهن والصناعات ، ولقد استمر هذا التقليد خلال عصور الطب العربي المختلفة حيث امتازت بعض الأسر بتوارث هذا الطب ، ولعل أشهر هؤلاء أسرة بختيشوع التي مارست الطب في ظل الدولة الإسلامية أجيالا متعاقبة أثناء الخلافة العباسية ، ومنهم أيضا أسرة ابن زهر التي توارثت الطب في الأندلس وأشهر أفرادها أبو مروان عبد الملك بن زهر ، ونبغ منهم عدد كبير في الفترة بين القرن الحادي عشر وابتداء القرن الثالث عشر .
هامش
( 1 ) عن جابر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عاد مريضنا ، فقال ألا تدعو لك طبيبا قال وأنت تأمر بهذا يا رسول اللّه قال نعم ( إن اللّه لم ينزل داء إلا أنزل له دواء ) . تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 14 ص 348 نقله التيجاني الماحي ص 41 .