تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
ونحن نرى أن ما عمله المؤرخون المحدثون عمل مجيد من الناحية التاريخية إلا أن فيه هنات وعيوبا من وجهة النظر الطبية . من ذلك أن مؤرخي العلوم - شأنهم في ذلك شأن علماء التاريخ العام - يقسمون موضوعات بحوثهم تقسيما زمنيا وقوميا . فتراهم يتحدثون عن الطب المصري القديم ، والطب اليوناني الهللينى واهللينسنى ، والطب العربي . وهذا التقسيم يفيد كثيرا حين نريد أن نتتبع الأحداث العلمية ، نربطها بعضها ببعض كي نتبين خطوات التطور العلمي في عصر بعينه عند أمة من الأمم ، ولكني أعتقد أن هناك أسلوبا آخر في كتابة تاريخ العلوم ، أو على الأقل تاريخ الطب ، قد يكون أعم وأقرب إلى إيضاح حقيقة التطور العلمي من الأسلوب الذي ألفناه . وعندي أن الطب يصح أن يقسم إلى عصور يتميز كل عصر منها بتفكير خاص فيكون العصر الأول عصر الحبرة البحتة ، والذي يليه عصر الخبرة المنظمة عقليا ، ثم يلي ذلك عصر التحليل والتجربة . ونكتفي هنا بأن نقول بأن الطب اليوناني والعربي يمثلان عصرا واحدا يتميز بتفكير متشابه جدا . والتشابه في التفكير لا يكون عرضا . وإنما حمل العرب لواء النهوض بالطب اليوناني لأنهم كانوا مهبثين لذلك من قبل علميا وعقليا . ويخطئ المؤرخون الذين يقيسون التفوق الطبى بمقياس واحد هو عندهم جودة المؤلفات الطبية . والحق أن المؤرخين جميعا أشادوا بمؤلفات العرب الكبرى ، لحسن تبويبها ، ووضوح قضاياها ، واستقرار منطقها . ولكن هذا الرأي قد يدعو إلى إغفال تفوق العرب في الطب الإكلينيكى . وقد يدعو إلى إغفال شأن البيمارستانات التي كان يعالج فيها المرضى ويتدرب فيها الأطباء ، فكانت بذلك مستشفيات تعليمية قريبة جدا من مثيلاتها في عصرنا الحديث ، ولا يجوز لنا أن نغفل هذين الأمرين حين نحاول تقدير الطب العربي . وهناك قضية أخرى خاض فيها قوم كثيرون ، ولا أراها تستحق ما دار حولها من جدل : هل أضاف العرب شيئا إلى الطب اليوناني ؟ .