ويعوق الدراسين عن استيعاب هذا الطب اليوناني العربي وما فيه من حقائق علمية ومشاهدات قيمة اختلاف مصطلحاته وتصوراته عما عليه الطب الحديث . لذلك رأينا أن نقدم لهذا الطب بعرض تصورات الأطباء القدماء للصحة والمرض وأسبابهما ، وأن يكون ذلك بلغة الطب الحديث ، فتبرز بذلك الحقائق العلمية دون أن يزهدنا فيها غرابة هذه التصورات وخصوصية لغتها :
مجمل تاريخ الطب العربي
ظل الطب العربي بدائيا بدويا يتناقله الناس مشافهة في غير نظام ، فكان في الواقع طبا فولكوريا . ثم حدث أن استدعى الخلفاء العباسيون الأولون مهرة الأطباء من السوريان الذين كانوا يعلمون الطب ويمارسونه في بلدة جنديسابور في جنوب فارس ، وكان أكثرهم من أسرة واحدة هم آل بختيشوع . ولهذه الأسرة على الطب العربي فضل لا ينكر . وكان فيهم من المهارة والذكاء وحسن التصرف والقدرة على إرضاء الخلفاء ما جعلهم أطباء البلاط المفضلين ، وظلوا كذلك أكثر من قرن . ثم جاء المأمون فرأى بثاقب فكره أن يجعل الطب عربيا أصيلا ، وأدرك أن الترجمة المزدوجة من اليونانية إلى السوريانية ومن هذه إلى العربية مصدر أخطاء كثيرة وعموض واضطراب ، فعمل على أن يكون من العرب مترجمون ينقلون الطب والعلم والفلسفة من اليونانية مباشرة ، وكان على رأس هؤلاء المترجمين مترجم العرب الأكبر حنين بن إسحاق . فأصبح للعرب علم أصيل ، وعرقوا أرسطو وأبقراط وجالينوس ، وصادف ذلك هوى في نفوسهم لأنهم كانوا معدّين عقليا لاستقبال هذه العلوم . وسرعان ما أصبح الطب أصيلا فيهم ، فتناولوه بالشرح والنقد ومارسوه عمليا ، وعرفوا منه ما هو صحيح وما هو مخالف للواقع ؛ وأصبح لعلمهم شخصية خاصة به ، وإن ظل قائما على الكليات التي وضعها الطبيعيون والفلاسفة . ولم يكن عندهم ما يدعوهم إلى الشك