تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
في صحة هذه الكليات ، ولم يحاولوا التخلص منها أو تعديلها تعديلا ذا شأن ، لأنها في نظرهم ثابتة ببراهين خارجة عن العلوم الطبية . ولم يكن للطبيب من جهة ما هو طبيب - على حد قول ابن سينا - أن يحاول إثبات هذه الكليات أو نفيها . واستقر العلم الطبى في أذهان العرب ، فبدأ عهد جديد ازدهر فيه الطب ازدهارا بالغا ، ونبغ فيه منهم كثيرون ، ولم يبق الطب مقصورا على النصارى النسطوريين « 1 » . لم يكن في العالم المتحضر في ما بين منتصف القرن الثاني الهجري ( الثامن الميلادي ) والقرن التاسع الهجري ( الخامس عشر الميلادي ) علم طبي يعتد به إلا ما كان منه عند العرب . وما عند غيرهم لم يكن إلا نقلا عنهم واحتذاء لهم ، ولم يشك أحد من أهل القرون الوسطى في تفوق العرب في الطب علما وعملا وتنظيما . هذه حقيقة تاريخية لا نزاع فيها . بذل الرواد من مؤرخي العلوم جهدا بالغا في دراسة تاريخ الطب العربي . ووصفوا كيف نشأ في بغداد ، وكيف نما وازدهر حتى بلغ أوجه في عهد الرازي وابن سينا ، وكيف انتقل بعد ذلك إلى الأمم اللاتينية . وكانت الصورة العامة التي قدمها لنا أولئك الرواد واضحة ومقنعة ، ولا تزال مقبولة عند أكثر المشتغلين بتاريخ العلوم ، لم يغير منها كثيرا ما كشف عنه المؤرخون المعاصرون على كثرة ما تعلمناه من هذه الكشوف .
هامش
( 1 ) يدل على ذلك ما ذكره الجاحظ في كتاب البخلاء من أن طبيبا اسمه أسد بن جانى قال له قائل : ( السنة وبئة والأمراض فاشية وأنت عالم ، ولك صبر وخدمة ، ولك بيان ومعرفة ، فن أين تؤتى في هذا الكساد ؟ فقال : أما واحدة فإني عندهم مسلم ، وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبب ، لا بل قبل أن أخلف ، أن المسلمين لا يفلحون في الطب ، واسمى أسد ، وكان ينبغي أن يكون صليبا ، أو مرابل ، أو يوحنا ؛ وكنيتي أبو الحارث وكان يجب أن تكون أبو عيسى أو أبو زكريا أو أبو إبراهيم ؛ وعلى رداه قطن أبيض وكان ينبغي أن يكون رداء حرير أسود ؛ ولفظي لفظ عربى وكان ينبغي أن تكون لغتى لغة أهل جنديسابور ) .
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 17 | محمد كامل حسين