في الوقت الذي ترهقه كثرة المعلومات التفصيلية الدقيقة التي يحتاج إليها في معرفة الفروع المتعددة للعلوم الحديثة ؟ هذا الإرهاق لا يترك له من الجهد ما يستطيع به أن يعرف آراء العلماء القدماء وكيف تطورت إلى الآراء الحديثة ، بل قد يزيده هذا العلم بالماضي اضطرابا وشكا وقلقا .
وعندي أن هذا خطأ ، فالآراء الحديثة تكون أكثر ثبوتا واستقرارا في ذهن القارئ إذا عرف كيف كانت آراء العلماء بالأمس ، وكيف اضطرتهم التجارب إلى البحث عن قوانين أكثر شمولا . ولا أشك أن الطريقة التاريخية هي إلى حدّ ما خير الطرق لتثبيت الآراء الحديثة في أذهان الطلاب ، بل إني أعتقد أن الطالب يجب أن يدرس الآراء التي كانت معروفة في الماضي القريب قبل أن يدرس الآراء الحديثة جدا التي لم تثبت قيمتها بعد .
وقديما قال أحد كبار المفكرين ( جوته ) : إن العلم هو تاريخ العلم .
ولا شك أنه بغير هذا التاريخ تكون المعلومات الحديثة فوضى قلقة لا جذور لها .
نحن نقدم إلى الطالب في هذا الكتاب تاريخ الطب في فترة بعينها ، ولنا أن نضع أوصافا له مختلفة ، فهو من حيث قوميته طب يوناني - عربى ، بدأ بأبقراط وانتهى بابن سينا . وهو من حيث تاريخ التفكير العلمي طب الكليات والاستنتاج ، وهو العهد الذي سبق عهد الاستقراء والتجربة وهو من ناحية الزمن طب وسيط يقع بين الطب العتيق الذي انتهى بطب قدماء المصريين وبين الطب الحديث الذي بدأ في عهد النهضة . وهو من حيث التطور الطبى يعد طب الخبرة المنظمة بعد أن كان الطب خبرة بحتة ، وقبل أن يكون كما هو في العصر الحديث الطب التجريبى . وهو من حيث طبيعته يقوم على الصفات الفيزيقية للأشياء ، حيث لم تكن الكيمياء معروفة ولم يكن للأطباء سبيل إلى التفريق بين الأشياء إلا من حيث صفاتها الظاهرة . وهو على كل حال عهد من الطب ممتع ولا يزال له أثر في التصورات الطبية الحديثة .
الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب — صفحة 15
مساهمون: محمد كامل حسين
ص١٥