مقدمة
لماذا يدرس الناس تاريخ العلم ؟ أليس العلم مجموعة حقائق ثبتت بالبرهان القاطع فيكون أحدثها أصدقها وأقربها إلى الحقيقة ؟ وما ذا يعنينا من ماضي العلم ؟ إن كان مخالفا لحاضره فهو خطأ ، وإن كان مطابقا له فما أغنانا عنه .
هذا رأى كثير من المشتغلين بالعلوم ، وهو يدل على نظرة سطحية بعيدة كل البعد عن طبيعة العلم . ولن تجد أحدا من كبار العلماء الباحثين يجهل ما كان عليه رأى سابقيه في موضوع بحثه ، وكيف تطورت الآراء فيه حتى بلغت ما هي عليه . والذين يسعون إلى كشف جديد يجب عليهم أن يدرسوا علاقة الماضي بالحاضر ليتعرفوا الطريق التي يجب أن يسيروا فيها لكي يخرجوا من الحاضر إلى المستقبل ومن المعلوم إلى المجهول .
العلم مجموعة مشاهدات ، وهو فوق ذلك الكشف عن العلاقات التي تربط هذه المشاهدات بعضها ببعض ، إلى هذا الحد لا يكون العلم الماضي خطأ ، وإنما يكون ناقصا ، ثم تأتى مشاهدات وقوانين جديدة تتم بعض هذا النقص الذي نشأ من قلة عدد المشاهدات وضيق مدى تطبيق قوانينها . وإنما يأتي الخطأ إلى العلم من التفسيرات التي يضعها العلماء محاولين أن تكون نظرياتهم شاملة منطقية .
وعلى ذلك لا يكون علم القدماء خطأ إلا فيما تعرضوا له من كليات شاملة أما المشاهدات والقوانين التي تربطها فهي دائما صواب في حدود ما تعرض له ، وقد تكون ناقصة . ويجب على دارس العلم أن يدرس تاريخه ، مقتنعا أن مشاهدات القدماء صحيحة وإن أخطأوا في تفسيرها .
قد يقال إن هذا أمر لا يعنى إلا كبار العلماء الذين يكشفون حقائق وقوانين جديدة . أما الطالب فماذا يعنيه من دراسة تطور الآراء العلمية