فنقول : الوباء اسم جنس شامل لجميع الأمراض الوافدة ، والعامة الرديئة كما قال جالينوس : في شرح كتاب ابديميا ، فإنه قال : قد يكون في الوباء إسهال رديء ونزلات وحميات محرقة وغير ذلك من الأمراض الرديئة .
اختلف الأطباء في الوباء فمنهم من قال : إن التعفن والفساد إذا عرض في الهواء قبل كل بدن من أثره على قدر الاستعداد ، فتحصل أنواع الأمراض بحسب اختلاف الاستعدادات .
ومنهم من قال : إن الوباء يكون من كيفية سمية خاصة في الهواء ، ويسري ويتعدى من إنسان إلى إنسان آخر بالمجاورة وبالمقاربة ، والجلوس في مسكن واحد .
وأما ما ذكره جالينوس : من التعفن العارض للهواء ، وحصول أمراض متنوعة عنه بحسب تنوع الاستعدادات إنما هو من الأمراض الوافدة ، وهي أمراض تكون عن تعفن الهواء لأسباب سماوية أو أسباب أرضية ، ولا تسري من إنسان إلى إنسان سريان الوباء ، والدليل عليه كون كيفية خاصة اختصاصا ببعض الأقطار دون بعض كالقسطنطينية ، وكذلك مصر القاهرة وسريانه أمر ظاهر حتى ولو حمل من ثياب أصابه هذا المرض من بلد إلى بلد أخرى أثرت تلك الثياب في هواء تلك البلد ، وظهر فيها هذا المرض بعد أن لم يكن ، وذلك معلوم إذا بلغ حد التواتر .
قالوا : وأول تأثير هذه الكيفية إنما هو في القلب والروح الحيواني ، ومنه يتعدى إلى جميع البدن .
وقال آخرون : إنه إذا كان كيفية سمية فلا معنى لاختصاصها بالتأثير في القلب ، فإنه يجوز أن تؤثر أولا في عضو آخر كالكبد والمثانة وغير ذلك ، ويتعدى الضرر من ذلك العضو إلى جميع البدن .
قال قوم : لاختصاص ذلك بالقلب ، فإنه بحسب طريق سريان تلك السمية في البدن ، فإن كان بطريق الاستنشاق : أثرت أولا في الدماغ ، ثم سرت إلى القلب وسرت منه إلى جميع البدن ، وإن كان بطريق التنفس : أثرت أولا في
غاية الإتقان في تدبير بدن الإنسان — صفحة 636
مساهمون: صالح نصر الله ابن سلوم الحلبي
ص٦٣٦