فأما النفس الأخروي « 1 » ، فليس يصلح لها من المواد ، إلا ما تكثر فيه الهوائية ، والنارية ، ولذلك « 2 » يستحيل أن يكون لهذه النفس أعضاء صلبة ، بل لا بد وأن يكون أعضاؤها « 3 » رقيقة الجرم جدا لطيفة نفاذة ، سريعة التغير ، لتكون شديدة القبول لسرعة الانتقال ، والنفوذ في المسالك الشديدة الضيق ، وكما أن المزاج الغالب عليه الأرضية ممكن وواقع ، فكذلك المزاج الذي تغلب عليه الهوائية ، والنارية ، ممكن أيضا وواقع .
وقد علمت أن كل مادة استعدت بمزاجها لقبول صورة ما ، أو نفس ما . فإن الله تعالى لعموم كرمه ، وجوده يفيض على كل المادة ما تستحقه ، وتتهيأ « 4 » لقبوله . فإن كانت « 5 » تلك المادة على قوام صالح للنفوس العمالة التعبة بطبعها ، أفاض الله تعالى عليها ، نفسا إنسانية ، أو فرسية ونحوها من النفوس التي شأنها ذلك . وكان اختلاف هذه النفوس ، بحسب اختلاف أمزجة المواد . وإذا كانت المادة ، على قوام صالح للنفوس النفاذة ، السريعة الحركة جدا ، أفاض الله تعالى عليها نفسا تليق « 6 » بذلك ، وهي النفس الجنية وهذه النفوس ، تختلف أيضا بحسب الأمزجة ، فما كان من هذه المادة ، ذات مزاج قريب من الاعتدال ، كانت النفس الفائضة عليها ، قابلة للتعقل ، والتفكر وللعلوم كما في نفس الإنسان . وما كان من هذه المادة ، ذات مزاج شبيه بمزاج حيوان آخر ، كانت النفس الفائضة عليها ، شبيهة بنفس ذلك الحيوان . . وما كان من هذه المادة « 7 » ، ذات مزاج شبيه بمزاج نبات ، ما كانت النفس الفائضة عليها شبيهه « 8 » بنفس ذلك النبات . ولذلك لا يبعد أن يكون من الجن ،
هامش
( 1 ) ب : الأخرى .
( 2 ) أ : كذلك .
( 3 ) ب : أعضائها .
( 4 ) ب : وتهيها .
( 5 ) - ب .
( 6 ) أ : يليق .
( 7 ) العبارة ساقطة في أ .
( 8 ) أ : شبيه .