وقال في موضع آخر : وينبغي للإنسان اجتناب الأمراض المعدية بواسطة الهواء بمجالسة أصحابها ، كالجذام ، والجرب ، والجدري ، والرمد ، والسل ، فليحذر القرب من أصحابها ، وليتباعد عنهم إلى ما فوق الريح التي تهب عليهم ، وقوله « السّل » بفتح السين المهملة : وهو وجع ينقص فيه لحم الانسان بعد سعال ومرض - كما قاله في فقه اللغة ، واللّه أعلم .
فإن قيل : قد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين ، من حديث ابن عمر وأنس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا عدوى ولا طيرة » ، فقد ذكر ابن قتنيبة عن هذا جوابين : أحدهما أن يسقم مقارب المجذوم وصاحب السل ، بالرائحة بالعدوى ، والثاني أنه نهى عن ذلك ، يظن أن الذي يمرض أن ذلك أعدى إليه ، انتهى ، وفي الحديث أيضا :
قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يعدى شيء شيئا » .
وقال في كتاب البركة للوصابي القول الذي على العدوي : وقال صلى اللّه عليه وسلم « لا تديموا النظر إلى المجذوم ، فمن كلّمه منكم ، فليكن بينه وبينه قدر رمح » - كما قاله في الديوان ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا توردنّ ذو عاهة على مصحّ » ، وقال : « لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ، وفرّ من المجذوم كفرارك من الأسد » .
قال في البيانك : أجرى اللّه العادة بأن خلق المداء عند ملاقاة الجسد الذي به الداء ، ومعنى قوله « لا عدوى » ، أن هذه الأدواء لا تعدى بأنفسها وطباعها كما قالت الملحدة ، ويروي : « لا عدوى ولا هامة ولا صفر ولا غول » ، فالهامة هو قول العرب أن عظام الموتى تصير هامة ، فيخرج منها طائر يطير يقال له الصدى ، فأبطله صلى اللّه عليه وسلم ، والصفر :
حبة تكون في البطن ، تصيب الماشية والناس ، وهي عند العرب أعدى من الجرب ، تشتد على الانسان إذا جاع وتؤذيه ، فأبطل النبي صلى اللّه عليه وسلم أنها تؤذي ، والغول :
ساحرة الجن ، فتغول للآدميين في الفلوات ومواضع النجاسات ، أي تتلوّن فتهلكهم ، فأبطل النبي صلى اللّه عليه وسلم فعلها بنفسها ، وقوله « إذا تغيّلت الغيلان فنادوا بالأذان » دليل على وجودها ، انتهى كلام صاحب كتاب البركة .
تسهيل المنافع في الطب والحكمة — صفحة 163
مساهمون: ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأزرق
ص١٦٣