هذه الأمة التي كان سيدها عمر بن الخطاب يبكي كلما رأى جواهر الفرس ، ترد في عداد الغنائم ، خوفا على قومه من هرم المدنيّة 3 . وهذه الأمة التي باعت ما غنمته من الاكرار من الجواهر ، الفص بخمسة دراهم ، مع أن قيمته عشرون ألفا 4 . هذه الأمة التي رأيت لا تكاد تأتي سنة 101 للهجرة حتى تضحي جوائز أحد خلفائها ( يزيد بن عبد الملك ) للشعراء المجيدين ملء أفواههم جوهرا . قد قلده في ذلك المعتصم من بني العباس 5 .
هذه الأمة تمر عليها الأيام مسرعة خاطفة كالبرق ، فتنتقل إلى حالة أخرى ، لتعرض علينا صورة من بذخ ( الوليد بن يزيد ) فها هو ذا يتخذ الجواهر كالثياب يغيّرها يوميا ، ويغالي في اقتنائها حتى يعلي أسعارها 6 ويمضي الأمويون في ذلك قدما ، فيرصعون آنيتهم بالجوهر والعقود لهم ، ولنسائهم وجواريهم .
ويرث العباسيون الأمويين ، فينظمونه في عصائب نسائهم ، وخفافهنّ كما فعلت أخت الرشيد 7 ، وزوجه أم جعفر 8 . ولم يقتصر العباسيون على اتخاذه حليا لنسائهم ، بل اتخذه أشدهم انهماكا في تأسيس الدولة ( السفاح والمنصور ) للأسرّة الذهبية ، المرصعة بالجوهر ، والحصر المنسوجة بالذهب ، المكلّلة بالدّر والياقوت 9 . ويأتي ( هارون الرشيد ) فيشتري فص ياقوت احمر ، كان يعرف ( بالجبل ) ، يتنافس الملوك في اقتنائه ويدفع ثمنا له أربعين ألف دينار وينقش عليه اسمه 10 . ويشتري فصا آخر بمائة وعشرين ألف درهم .
وتضحي نفقات جبريل ، طبيب هارون الرشيد السنوية ، على الجواهر والطيب خمسة ملايين من الدراهم 11 .
وتصبح بغداد معرضا لا نفس أنواع الجواهر ، فلقد عرض أحد تجار الجواهر في بغداد سفطا على يحيى بن خالد ، فساومه عليه بسبعة ملايين من الدراهم 12 .
بله ما ذكره المؤرخون عما أعطاه ونثره المأمون من الجواهر ليلة زواجه من بوران ، فلقد أعطاها ليلة زفافها الف حصاة من الياقوت ، وبسط لها فرشا كان الحصير منها منسوجا بالذهب ، مكلّلا بالدّر والياقوت 13 . وعندما جليت بوران على لمأمون فرش حصير من الذهب ، وجيء بمكيل مرصع بالجوهر وفيه درر كبار نثرهما
نخب الذخائر في أحوال الجواهر — صفحة 127
مساهمون: محمد بن ابراهيم الأنصاري ( ابن الأكفاني )
ص١٢٧