تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نخب الذخائر في أحوال الجواهر — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
الكفّ ، ويدّنونه من وجه الماء ؛ ويحرّكون أيديهم ، دورة اليمين ، فعندها تدور الإبرة على صفحة الماء ، ثم يرفعون أيديهم على غفلة وسرعة ، فانّ الإبرة تستقبل بجهتيها جهة الجنوب والشمال . « رأيت هذا الفعل منهم عيانا في ركوبنا البحر من طرابلس الشام إلى الإسكندرية ، في سنة أربعين وستمائة . وقيل : إن رؤسآء مسافري بحر الهند يتعوّضون عن الإبرة والسمرة ، شكل سمكة من حديد ، رقيق ، مجوّف ، مستعدّ عندهم ، يمكن انه إذا القي في ماء الإناء ، عام وسامت برأسه وذنبه الجهتين من الجنوب والشمال » . انتهى كلام كنز التّجّار . قال العلماء المحققون في عهدنا هذا : ان أهل الصين عرفوا خاصية الجذب في هذا الحجر ، ومن اتجاهه نحو الشمال والجنوب ، قبل الميلاد بألفين وستمائة سنة ، وذكروا مغنطة الإبرة به في معجمهم الذي وضعوه سنة 121 للميلاد ، واستعملوه للاهتداء إلى الجهات في سفر البحر بثلاثمائة وعشرين سنة قبل الهجرة « 1 » . ومن الصينيين تعلم الهنود السير في البحار باتخاذ هذه الإبرة ، ومن الهنود تعلم العرب هذا السير بهذه الإبرة ، ومن العرب تعلم أبناء الغرب هذا العلم الجليل ، الذي أنقذ من خطر البحار الوفا والوفا والوفا من النفوس .
هامش
( 1 ) وتسمى هذه الإبرة ( إبرة الملاحين ) وبالفرنسيةBOUSSOLEفقال بعضهم ( بوصلة ) تعريبا لها . وهي بالانكليزيةsea compassأوcompassأوmariner's needle. وقد عرّبت في عهد ابن خلدون بصورة ( كنباص ) أو ( قنباص ) قال : « الكنباص أو القنباص صحيفة ، مكتوبة عليها القوانين المحصّلة عند النوتيين والملاحين على شكل ما هي عليه في الوجود ، وفي وضعها . في سواحل البحر ، على ترتيبها ، ومهابّ الرياح ، وممراتها على اختلافها ، مرسوم معها في تلك الصحيفة ، وعليها يعتمدون في أسفارهم ( راجع مقدمة ابن خلدون ص 54 منى الطبعة الثالثة البيروتية المشكولة ) . والكلمة الانكليزية من اللاتينية المولدةCompassusبمعنى الساير والمماشي لان النوتي يسايرها في اتجاهها . فأنت ترى من هذا البسط أنها وردت بمعنى الخريطة البحرية وبمعنى إبرة الملاحة وهي بسين في الآخر أو بصاد . ولهذا سماها العرب المولّدون ( حقّ الإبرة ) ، ونقلها بعض الأجانب ممن لا يحذق لفظ القاف فقال ( الحك ) ، وهو غلط وقع في هاويته صاحب محيط المحيط وكل من نقل عنه كصاحب البستان وغيره . ( راجع أغلاط اللغويين ص 140 ، القطعة 28 ، تر ما يجزأك في هذا الموضوع ) .
نخب الذخائر في أحوال الجواهر — صفحة 100 | محمد بن ابراهيم الأنصاري ( ابن الأكفاني )