ومن أراد الوقوف على المنفعة الثانية التي للعصب يحرّك عينيه حركة غير مستقيمة بعد أن يرفع إحدى عينيه إلى فوق ، فيحوّل ويرى الشيء شيئين .
فإن قيل : إذا كان يجب أن تكون العينان متساويتي الوضع ، وكذلك العصبين الأجوفين ، حتى لا يكون أحدهما أرفع من الأخرى ، فترى الأشباح مضاعفة ، فلم لا يكون مبدؤهما من الدّماغ مبدءا واحدا ؟
جواب ذلك : أنّه لم يمكن أن ينبت من وسط الدّماغ عصب بمقدار هذا في العظم ، ولا أصغر منه ؛ لاحتياجه للتّجويف ، لأن الحوض الذي فيه الثقب النّافذ من الدّماغ إلى أعلى الحنك ، ومنه يخرج الفضل من الدّماغ إلى أعلى الفم ، والمجريان إلى أعلى الحنك ، ومنه يخرج الفضل من الدماغ إلى أعلى الفم ، والمجريان اللّذان يصيران من الدّماغ إلى المنخرين منشؤهما أيضا من هذا الموضع ، [ فلا الحوض يمكن أن يكون في غير هذا الموضع ] « 1 » لأجل الفضل الذي يجتمع فيه يحتاج أن يكون إلى أعلى الحنك ، ولا المجريان أيضا إذا كان الأنف في وسط الوجه ، فيحتاج أن يكونا محاذيين له ، فلمّا لم يمكن أن يكون منشأ عصبي البصر من الموضع الوسط ، وكان ينبغي أن يكون مبدؤهما واحدا ، فلطف الصّانع لهما بهذا الاتصال ، فصار مبدؤهما منه مبدءا واحدا ، معنى آخر ، لو كان مبدؤهما من الدّماغ مبدءا واحدا ، لكان عند « 2 » خروجهما منه إذا نال أحدهما آفة عمّت الأخرى بطريق الاشتراك والاتحاد . واللّه أعلم .
فإن قيل : لم كان منشأ العصب الأجوف من مقدّم الدّماغ دون غيره ؟
فالجواب : خلق ذلك لوجهين ؛ الأول : قد قرب المبدأ لئلّا يعرض له آفة لبعد المسافة ، والثاني : لأنّه ينفذ فيه روح لطيف ذو نور ، فيحتاج إلى آلة وطيئة ليّنة ، لتكون سريعة القبول ، ومقدّم الدّماغ أرطب من سائره ، لما يراد من سرعة التخيّل . وينتهي هذا العصب في المقلة ، حتى يحتوى بنصف الرّطوبة
هامش
( 1 ) سقط من : ج .
( 2 ) من : ج .