الرّوح الباصر أو كدورته لكان يمتنع على الأكحل أن يرى البعيد ، ولا يستقصي نظر القريب ، ونحن نشاهد نظر الأزرق والأكحل سواء على بعد واحد ، لكن في زمان الأزرق أقوى من الأكحل ، وليس كلّ أزرق وأكحل كما قال ( الشيخ ، في ثالث القانون ) : إن بعض الأكحل يقصر عن الأزرق في الإبصار إذا لم تكن الزرقة لآفة ، وإذا كانت الكحولة لكثرة البيضيّة وكدورتها ؛ لأنّها تمنع نفوذ أشباح الألوان بالبيان ، بمضادّته للإشفاف ، ولكثرتها أيضا لم تجب إلى حركة التحديق والخروج إلى قدّام إجابة يعتدّ بها ، والعين الزرقاء - بسبب قلّة البيضيّة - بصرها بالليل وفي الظلمة أقوى منها بالنهار ، لما يعرض من تحريك الضوء للمادّة القليلة ، فتشغلها عن التبيّن ، فإن مثل هذه الحركة تعجز عن تبيّن الأشياء ، كما تعجز عن تبيّن ما في الظلمة بعد الضوء ، والكحلاء بسبب الرّطوبة بصرها باللّيل أقل ، كونها تحتاج إلى تحديق للمادّة إلى خارج والمادّة الكثيرة أعصى ، وأمّا الكحولة بسبب الطّبقة ، فيجتمع البصر أشدّ . وقال ( جالينوس ، في السّابعة من سادسة أبيديميا ) « 1 » : الأزرق والأشهل يبصر في القمر أجود ممّا يبصر الأكحل ، والأكحل يبصر في الضوء أكثر ممّا يبصر الأزرق ، وذلك أن التحلل من النور يفرط على عيون الزرق .
فقد بان من كلام الشيخ أن الزرقاء تفضل على الكحلاء في زمان دون زمان ، بشرط حسن السّبب ، والكحلاء تفضل على الزرقاء دائما إذا كان سببها شدّة سواد « 2 » العنبيّة ، والعنبيّة « 3 » تزرقّ إمّا لضعف الحرارة وعدم النضج ، كما في النّبات ، فإنّه أوّل ما ينبت يكون إلى البياض ، ثم إنّه مع النضج يخضرّ .
ولهذا يكون عيون الأطفال زرقاء وشهلاء ، ثم تسودّ بعد ذلك ؛ وإمّا لتحلل
هامش
( 1 ) أبيديميا لأبقراط . وهو يوناني معناه الأمراض الوافدة وتدبيرها وعلاجها ، انظر حاشية طبقات الأطباء والحكماء 18 .
( 2 ) في ج زيادة : « العنبية » .
( 3 ) في ج : « والبيضية » .