أن كبر وشاخ ، فلم يعد يميز بين السكر والملح وبين البندق والمقل ، وهو في حديثه عن طعامه يرتعش من الضعف والكبر فيأبى الا أن يصور رعشته هذه في بيت من أبيات القصيد ليصل إلى ما يريد من دعابة وفكاهة . يقول :
عشت خمسين بل تزيد * رقيعا كما ترى
أحسب المقل بندقا * وكذا الملح سكّرا
وأظن الطويل من * كل شيء مدوّرا
قد كبر بر ببر ببر * ت وعقلي إلى ورا
عجبا كيف كل ش * يء أراه تغيّرا
لا أرى البيض صار يؤ * كل الا مقشرا
وإذا دق بالحجا * ر زجاج تكسرا
ولقد استقى الشعراء المصريون معانيهم من وحي الأطعمة المعروفة في عصرهم فيقول ابن حيدرة العقيلي « 1 » في بعض من يهواه :
قطع قلبي بمدية التيه * وذر من ملح صدّه فيه
ولفّه في رقاق جفوته * وقطّع البقل من تجنّيه
وقال لي : كل ، فقلت آكل ما * أمرض قلبي به وأوذيه
ولئن مزج ابن حيدرة بين لغة الحب ولغة الطعام على سبيل الدعابة ، فإن الشاعر ابن حداد « 2 » يصف لنا ضيافة وصفا جادا حيث أكثر الممدوح من ذبح الأنعام والطيور والحملان ليقدمها لأضيافه .
سمت السوام به الحمام كأنما * أخذت بثأر من ذوي الشنآن
وتبعتها ذات الجناح كأنما * فعلت جنوحا قبل في الطيران
حتى عدا حمل السماء وثورها * حذرين مما حلّ بالحملان « 3 »
هامش
( 1 ) هو الشريف أبو الحسن علي بن حيدرة ، أهم شاعر ظهر في مصر في النصف الأول من القرن الخامس الهجري ، وقد انشد المستنصر شعرا في العام الذي بدأت فيه سني المجاعة بمصر عام 422 ه .
( 2 ) هو أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن عثمان القيسي ، ويلقب ظافر الحداد ، توفى عام 529 ه .
( 3 ) الحمل والثور : برجان من أبراج السماء ، والحملان : ج حمل وهو ولد الضأن في السنة الأولى .