وتغسلت واكتحلت ثلاثا * وطبخت الحبوب في عاشور « 1 »
فالشاعر يتوعد النقيب - ان هو لم يف بوعده - أن يعدل عن التشيع وولاء آل البيت إلى ولاء بني أمية . فيصبح خارجيا لا يقتات من اللحوم الا السمك الجريّ ، ومن النبات الجرجير فقط ، وسوف يطبخ الحبوب في العاشر من محرم مع أنه يوم حزن بالنسبة للشيعة لا يطبخون فيه سوى العدس ، إلّا أن الوزر سيقع في ذاك على الشريف لأنه قد اضطره إلى ذلك .
ودعي يوما الشاعر أبو البركات البغدادي « 2 » إلى مائدة الوزير عون الدين « 3 » في شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة ، لكن بواب الوزير حجبه « وجرت له مع البواب منافرة » فكتب قصيدة يعاتب فيها الوزير ويشكو له الحاجب الذي زاحمه على مائدته فيقول :
لست بالعاجز الهيوب ولا المخ * لد للدهر في قراع الخطوب
بيد أني أغشى الملوك ذوي الجو * د ، ولا علم لي بظن الغيوب
فأنال العذب الفرات ، وأثني * هممي البيض عن أجاج مشوب « 4 »
يا فدتك الحياة قد سمع النا * س قديما بحاجب محجوب
كلما قدم الطعام تلقا * ني بوّابكم بوجه قطوب
ولعمري ان الفظاظة في البوا * ب طبع ، لكنها لغريب « 5 »
هامش
- الجري : ضرب من السمك معروف ، كثير اللزوجة والسهاكة ، يسميه أهل مصر « السلور » ويقال في بعض اللغات « الجريث » ، ويسمى بالفارسية « مارماهي » . والجرجير نبت منه بري وبستاني . ماؤه يزيل آثار القروح ، وهو يدر اللبن ويهضم الغذاء .
( 1 ) عاشور : عاشر المحرم ، وفي دواوين اللغة العاشوراء ، والعشوراء والعاشور وكلها مقترنة « بأل » ، وقد قال ابن الأثير : وعاشور اسم اسلامي ، وليس في كلامهم ( فاعولاء ) بالمد غيره . الأبيات من الخريدة :
ج 3 - ص 28 ، ط : بغداد .
( 2 ) فاضل ذو أدب ، عارف بالنحو واللغة ، متزي بزي أهل التصوف وأهل الطريقة ، ويعرف بالطائي وقد مدح الوزير ابن هبيرة ، وكان له على الوزير جراية ورسم جائزة في كل موسم .
( 3 ) الوزير : وهو أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة ، وهو من أعاظم وزراء الدولة العباسية وعقلا وسياسة وتدبيرا .
( 4 ) الأجاج : طعم يلدغ الفم بمرارته أو ملوحته . مشوب : ممزوج بغيره .
( 5 ) الخريدة : للعماد الاصفهاني : ج 3 - ص 65 ط : بغداد - منشورات وزارة الثقافة والفنون .