وقال أيضا يعاتب الوزير لأنه لم يدعه إلى سماطه في شهر رمضان . إذ كانت عوائدهم أن يحضر الأعيان سماط الخليفة عند الوزير ، ويسمون السماط « الطبق » والشاعر يشير إلى نفسه الأبية وهمته العالية التي جعلته يترفع عن تناول الشواء أو احتساء المرق حين حجبه البواب الأرمني عن حضور هذا الطبق فيقول :
نفسي من السوء ، للوزير تقي * ما ضره لو حضرت في الطبق
سائل محاميه ، هل مددت يدي * نحو شواء ؟ أو لذت بالمرق
ألم أعد نحو منزلي خجلا * معثّرا بالكلاب في الطرق
طاوي الحشا ، قد برزت من حلل * مخرّقات قد بلّها عرقي
يعبث بي الأرمني ، يحجبني * بالجهل منه عن ذلك النفق
أقسم أن لا أعود ثانية * لمثلها بالضحى وبالغسق « 1 »
اذن لم تعد أبواب الخلفاء والوزراء مفتوحة على مصراعيها لاستقبال الزائرين ولم تعد موائدهم تستقبل الخاص والعام من الشعراء وأبناء الشعب كما كانت في أيام الرسول وخلفاء بني أمية وأمرائهم . بل أصبح الحاجب يحول دون ذلك ولا سيما في أخريات الخلافة العباسية فلا يحضر هذه الأسمطة سوى أرباب المراتب والأعيان يجلسون إلى السماط وفق درجاتهم بعد أن يأذن لهم الحاجب بالدخول . وما هذا إلا نوع من التعقيد جعلهم يتواضعون على طائفة من التقاليد في آداب المائدة ، اقتبسوا كثيرا منها عن الفرس « 2 » كما سنرى هذا واضحا في موائد الفاطميين وأعيادهم ومواكبهم .
هامش
( 1 ) الخريدة : ج 3 - ص 66 .
( 2 ) عيون الأخبار لابن قتيبة : ج 3 - ص 214 ط : دار الكتب .