فلما كان الليل اشتدّ به الجوع فدعا بشيء أكله ، وأتي بطبق فيه فراريج حارة مشوية ، وخروف ، وجدي بارد وبزماورد « 1 » فأكل من كل ما رآه وشفي تلك الليلة ، ورحل على أنطاكية وعلته تتزايد ، وأقام في دمشق لتسكن علته وخاف ابن توفيل عليه من تزايد العلة فنصحه بالعودة إلى مصر . وكان رحيله على عجلة حيث عملت له موطأة يجرها الرجال قليلا قليلا » « 2 » . لقد تفاقمت العلة على ابن طولون لأنه لم يأخذ بنصيحة طبيبه مما جعله يعود إلى مصر محمولا على موطأة لعدم تمكنه من السير أو الجلوس . ولم ينقذ حياته سوى وجود ابن توفيل إلى جانبه مرافقا له في رحلته .
وقد كثر عدد الأطباء في مصر ليس فقط في بلاط الأمراء ، بل في بيوت الأغنياء وأوساط العامة . فانتشروا في أسواق مصر وكان الناس يقصدونهم ويستشيرونهم فيما يتعلق بأطعمتهم وأمراض المعدة والتخمة وسوء الهضم .
ونظل ندرك العلاقة الواضحة بين الطب والغذاء من خلال أدب المصريين وأشعارهم .
فالشاعر المصري أبو القاسم السميسر « 3 » يشير إلى أن « المعدة بيت الداء » لذلك ينشد ناصحا بالإعتدال وعدم الإفراط في الطعام ، معرضا فيمن لا يثق بالطب والأطباء :
يا آكلا كل ما اشتهاه * وشاتم الطب والطبيب
ثمار ما قد غرست تجني * فانتظر السقم عن قريب
يجتمع الداء كل يوم * أغذية السوء كالذنوب
ويقول أيضا في هذا المعنى :
أتأكل ما تشتهي * نهيت ولم تنته
هامش
( 1 ) البازماورد : طعام من البيض واللحم فارسية ، انظر ( منافع الأغذية ودفع مضارها للرازي ) ص : 2 .
( 2 ) سيرة ابن طولون لابن الداية : ص 314 .
( 3 ) هو أبو القاسم خلف بن فرج الألبيري ، كان كثير الهجاء ، وله كتاب لقبه « شفاء الأغراض في أخذ الأعراض » .