الحقيقة الثانية :
إن مجرد عروبة عبد اللطيف البغدادي بصفته طبيبا أو عالما ، لا يجوز أن يكون لها شأن في تقييمه ، أو أن تعتبر عنصرا من عناصر هذا التقييم ، فإن البحث العلمي لا يهضم مثل هذا التعصب الذي لا معنى له ولا مبرر على الإطلاق ، والوقوع في مثل هذا التحيز هو وقوع في العيب نفسه الذي نأخذه على بعض مؤرخي الطب الغربيين ، الذين يغمطون العرب كل حق ، إلا حق النسخ والترجمة عن الأطباء والعلماء الإغريق .
إن التاريخ الحقيقي ، للطب العربي والعلم العربي الأصيلين ، غنىّ عن أية شهرة ينالها عن طريق المبالغة ، أو التلفيق ، أو التهويل ، فإن العرب لديهم في هذين المجالين من المآثر والمفاخر ، ومن الرجال والأعمال ، ما يكفيهم ، وما لا يحتاج إلى مزيد .
الحقيقة الثالثة :
هي أننا حين نضع في الميزان ما وصل إلى أيدينا من رسائل عبد اللطيف البغدادي ، وكتاباته التي غمر بها أصدقاءه ومراسليه ، نجدها - بغض النظر عن أسلوبها السهل المقبول بوجه عام - تتميز بعدة سمات :
أولاها : إقباله الشديد على النقل من سابقيه دون تحرج ولا تكلف ، يسند إليهم ما ينقله عنهم تارة ، وينسى أو يتناسى تارة أخرى هذا الإسناد . وفي بعض فصول هذا الكتيب يستطيع القارئ أن يمسك بتلابيب البغدادي متلبسا بهذ « الاقتباس » .
وثانية هذه السمات : السطحية في معظم ما كتب ، إن يخرجنا من ذكر التفاهة ، بحيث يصبح من العسير وضع إنتاجه في بعض المواضيع في ميزان واحد مع كتب أسلافه في المواضيع نفسها ، أمثال جالينوس والإسكندر وابن سينا ، وسواهم ، ممن كان يبجلهم أحيانا ، ويرميهم بالجهالة وضعف المنطق في أحيان