ولم يتخل عنها في شبابه ، حيث قال : » ولما كان في سنة خمس وثمانين وخمسمائة ، حيث لم يبق ببغداد من يأخذ بقلبي ويملأ عيني ويحل ما يشكل على دخلت الموصل فلم أجد فيها بغيتي . . . وأقمت بالموصل سنة . . . وزعم أهل الموصل أنهم لم يروا من أحد قبلي ما رأوا من سعة المحفوظ وسرعة وسكون الطائرة » .
وفي دمشق : « واجتمعت بالكندى البغدادي النحوي وجرت بيننا مباحثات فأظهرنى اللّه تعالى عليه في مسائل كثيرة » .
ومن الأمور المعهودة أن المرء لا يرى الرذيلة في نفسه وينصح غيره بالابتعاد عنها ، وقد وقع عبد اللطيف في مثل هذا فنراه يقول : « وينبغي أن تكثر إيهامك لنفسك ولا تحسن الظن بها ، وتعرض خواطرك على العلماء وعلى تصانيفهم وتتثبت ولا تعجب فمع العجب العثار ، ومع الاستبدال الزلل » وقد يكون خطر له أن مثل هذه النصائح اللازمة لغيره لا تليق بعالم مثله . ومن النصح الآخر الذي بذله لغيره ولم يعمل به - اللهم إلا إزاء كبار القوم - ما قاله في آداب المعاملة ولباقة التصرف :
« ولا تترفع بحيث تستثقل ولا تتنازل بحيث تستخس وتستحقر . . . واجعل كلامك كله جدلا ، وأجب من حيث تعقل ، ولا من حيث تعتاد وتألف » ، وأيضا : « إياك والغلظة في الخطاب والجفاء في المناظرة . . . فإن ذلك . . . يذهب ببهجة الكلام ويسقط فائدته ، ويعدم حلاوته ، يجلب الضغائن ويمحق المودات ، . . . ويثير النفوس على معاندته » .
وقد تكون الضغائن ومحق المودات وإثارة الناس التي جلبها على نفسه بكبريائه وطول لسانه قد لعبت دورا كبيرا في رسم خط سير حياته ، وفي كتابته هذه النصائح .
عبد اللطيف رجل الدين :
كان البغدادي شديد الورع متدينا للغاية ، كثرت كتابته في علوم الدين والحديث ، ومن أمثلة أقواله التي تتسم بهذه الفضيلة :