تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
أخرى ، وتبدو هذه السمة جلية واضحة فيما أفردنا من صفحات لتحليل بعض ما كتب من مؤلفات . وثالثها : أن الرجل كان واسع القراءة ، جيد الحفظ ، غزير الاطلاع ، لكن سطح معلوماته ، وإن كان من الاتساع والرحابة بحيث يمس كافة ما كان معروفا يومئذ من ألوان العلوم ، فإن ذلك السطح المتسع الرحيب ، لم يكن يظاهره - مع الأسف الشديد - عمق كبير ، ولعل سببا من أسباب ذلك كثرة تنقل الرجل ، لا بين الأماكن والمدن فحسب ، ولكن كذلك بين العلوم بعضها وبعض ، من نحو إلى فلسفة ، ومن طب إلى كيمياء ، ومن طبيعة إلى ما وراء الطبيعة ، إلى هذا أو ذاك من سائر ما عرف يومئذ من علوم ، بحيث لم يتسع له لا الزمان ولا المكان ، ولا شئ مما يستلزمه التفقه في مادة بذاتها ، أو التبحر في علم بعينه من هذه العلوم .

الحقيقة الرابعة :

إن الشئ الذي امتاز به عبد اللطيف البغدادي عن جدارة ، وبزّ فيه كافة معاصريه في مشارق الأرض ومغاربها ، هو ذلك الاستقلال الفكري الذي كان يتوهج في سماء حياته ، بعض الأحيان ، ببريق يخطف الأبصار ، ذلك الاستقلال الذي كان يجعل فيه للمشاهدة ، والبحث المنظم ، والاستقصاء الدقيق ، الكلمة العليا على آراء سابقيه ، وما يحيط بها من هالات التقديس .

محاولة لتحليل شخصيته

شخصية عبد اللطيف البغدادي - كما لا بد أن نكون قد رأينا - شخصية غريبة ، زاخرة بالمتناقضات . والسؤال الذي يطرح نفسه على الخاطر الآن هو : هل يمكن وضع هذه الشخصية في إطار موحد من الوجهة العلمية ، بتحليل ما تفاعل في أعماقها من عوامل الخلق والتشكيل ؟ بعبارة أخرى ، لو فرضنا أن البغدادي عالم معاصر ، وأنه بكل ما تميز به من الأوصاف والسجايا ، ذهب إلى طبيب نفساني يستشيره في أمر نفسه ،