تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
والحقيقة أن تجولاته وعدم استقراره هي أكثر ما يسترعى النظر في حياة هذا العالم الذي ما فتئ ينتقل بين البلاد رغم الحروب الدائمة بينها . فقد أمضى سنى حياته ، بعد مرحلة التعليم في بغداد ، بين الموصل ودمشق وعكا ومصر والقدس ثم عاد إلى دمشق فمصر فالقدس فدمشق ، ومن ثمّ رحل إلى حلب فأرزنجان فأرزن الروم فأرزنجان فكماخ فدبركى فملطية فحلب ، قبل أن يتوفاه اللّه في بغداد ، وكان ناويا فريضة الحج ثم العودة إلى دمشق ، فيكون قد عمل في ثمان وعشرين مدينة مختلفة في خلال خمس وأربعين سنة من سنى حاته العملية ، وهو ما يزال ينوى التجول .

علم عبد اللطيف البغدادي :

بغض النظر عن مكان عبد اللطيف البغدادي من تقدير معاصريه ومؤرخيه ، وما ناله على أقلامهم من استحسان واستهجان ، سواء منهم من رفعه إلى أعلى سماوات العلم والحكمة ، أو من قذف به إلى أدنى مهاوى الجهل والادعاء ، وعن الدوافع التي يمكن أن تكون قد حفزت أولئك أو هؤلاء إلى سلوك السبيل الذي سلكه لتقييم شخصية عبد اللطيف البغدادي أو علمه . . . بغض النظر عن كل ذلك فإن ثمة حقائق أربع يجب أن توضع في الميزان أمام من يحاول تقييم هذا الطبيب العربي القديم .

الحقيقة الأولى :

إن ما كتبه في كل ما تناوله من ألوان العلوم المعروفة في زمانه ، قد يكون من الكثرة ، بحيث يملأ المئات أو الألوف من الرسائل والمجلدات ، وقد يكون من القيمة بحيث يضفى عليه أوفر حظ من التفوق والنبوغ ، دون لبس ولا تشكك ولا غموض . ولكن ما وصل إلينا من هذا التراث ، ولا سيما في العلوم الطبيعية ، شئ قليل ، هو وحده الذي ينبغي أن يوضع في الميزان ، وهو وحده الذي يجب أن يكون العمدة في الحكم له أو عليه ، لا ما طوته من آثاره وأعماله مجاهل النسيان ، وهو وحده الذي يستطيع أن يصدر القول الفصل فيه بين راجح أو مرجوح .