وربما في بعض ما يأخذه عليه معاصروه ، ترى ما ذا كان يمكن أن يكون رأى هذا الطبيب فيه ؟
لقد أتيح لنا أن نناقش مرارا وبشئ من التفصيل شخصية هذا العالم مع زميلنا الدكتور عادل الدمرداش المتخصص في الأمراض النفسانية ، وخرجنا من هذه المناقشات المتعددة مجمعين على عدة أمور .
الأمر الأول :
إن التقييم العلمي لأية شخصية من الوجهة النفسانية يعتمد في المقام الأول على مناقشة صاحبها ، ومناظرته مناظرات متوالية ، وربما إجراء بعض الاختبارات عليه ، والوصول من ذلك كله إلى استخلاص السمات والسجايا الغالبة على سلوكه ، والعوامل التي أدت إلى ظهور هذه السجايا وهذه السمات ، ووضعه في الإطار الملائم من الأطر المعروفة للشخصية ، أو نسبته إلى نمط بذاته من شتى الأنماط التي اتفق عليها علماء النفس في تصنيف مختلف الشخصيات ، وفي جو بعيد تماما عن شبهات الانحياز .
من أجل ذلك يصبح تقييم شخصية عبد اللطيف البغدادي أو تحليلها تحت هذا المجهر المدقق ، وبعد أن مضى على خروجه من الدنيا عدة قرون ، أمرا تكتنفه الصعاب واحتمالات الخطأ ومتاهات الشكوك ، لأن المصادر التي يعتمد عليها الطبيب في تحديد سمات شخصية ، تعوزها الدقة ، ولا تخلو من نزعات الأهراء والأغراض ، بيد أن هذا كله ينبغي ألّا يعوقنا عن القيام بهذا التقييم ، في حدود المتاح من وسائله ، وعلى ألا ننسى ما يحيط بها من الفقر والقصور .
الأمر الثاني :
إن الشخصية السويّة ، سويّة مطلقة بمعنى النضوج الكامل ، والصحة التي تبلغ أوجها في العقل والبدن ، والكفاية التامة في الأداء داخل الذات وفي محيطها الخارجي ، والتواؤم المعقول مع المجتمع ، تلك الخصائص التي من شأنها جميعا أن تمنح المرء قدرة على مواجهة الحقيقة بشجاعة ، والاعتماد على الذات أكثر من الاعتماد على الآخرين ، وضبط النفس ضبطا يتيح لصاحبه