« واجعل الموت نصب عينيك والعلم والتقى زادك إلى الآخرة » و « اعلم أن الناس عيون اللّه على العبد يريهم خيره وإن إخفاه وشره وإن ستره . . . فعليك أن تجعل باطنك خيرا من ظاهرك وسرك أصبح من علانيتك » .
وكان دائم النصح بمطالعة التواريخ ، وفي مصدرها سيرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، لتتبع أحواله وأقواله والاقتداء بها ، فقد قال على سبيل المثال : « واجعل كلامك لاهوتيا في الغالب ولا ينفك من خبر أو قرآن أو قول حكيم أو بيت نادر أو مثل سائر » .
وبالتالي نصح بحساب النفس : « ينبغي أن تحاسب نفسك كل ليلة إذا أويت إلى منامك » . وله دعاء يقول فيه : « اللهم أعذنا من شموس الطبيعة وجموح الردية ، وأسلس لنا مقاد التوفيق ، وخذ بنا في سواء الطريق ، يا هادي العمى ، يا مرشد الضلال ، يا محيى القلوب الميتة بالإيمان ، يا منير ظلمة الضلالة بنور الإتقان ، خذ بأيدينا من مهواة الملكة ، نجنا من ردغة الطبيعة ، وطهرنا من درن الدنيا الدنيئة ، وبالإخلاص لك والتقوى ، إنك مالك الآخرة والدنيا » .
وقد ورد هذا الدعاء مع بعض الاختلاف في فوات الوفيات ( 26 ) أيضا .
عبد اللطيف رجل الدنيا :
كان البغدادي حسب وصف ابن أبي أصيبعة له عندما رآه آخر مرة أقام بها بدمشق ، شيخا نحيف الجسم ، ربع القامة ، حسن الكلام ، جيد العبارة ، وكان كاتبا أجود منه متكلما .
لم يزهد أمور الدنيا ولم يحتقر المال ، بل تباهى به وسرّ منه وذكر العطاءات التي بذلت له بكثير من الاعتداد ، فنراه يقول : « إني لا أقول إن الدنيا تعرض عن طالب العلم ، بل هو الذي يعرض عنها » . وكان ينادى بأن العالم لا يحتاج إلى اقتناص المال فإن المال يجرى نحوه ، لأن « للعلم عبقا وعرفا ينادى على أصحابه . . . كتاجر المسك لا يخفى مكانه ولا تجهل بضاعته » .