الحرص على استظهاره وتملك معناه ، وتوهم أن الكتاب قد عدم وأنك مستغن عنه ، ولا تظن أنك إذا حصلت علما فقد اكتفيت بل تحتاج إلى مراعاة لينمو ولا ينقص » .
وقد امتاز بالمثابرة على البحث وله في هذا آراء قد لا نوافقه عليها تماما لأنها تنم على وجوب فصل العلوم بحواجز منيعة ، وهي آراء كانت عجيبة في عهد آمن بوحدة العلم ، ولا نقبلها اليوم بعد أن تداخلت العلوم بعضها في بعض وتمازجت تمازجا تستحيل معه التفرقة بينها ، كالطبيعة والرياضة ، أو الطب والكهرباء ، أو الميتافيزيقيا والطبيعة ، ومن هذا : « وأياك أن تشتغل بعلمين دفعة واحدة ، وواظب على العلم الواحد سنة أو سنتين أو ما شاء اللّه فإذا قضيت منه وطرك فانتقل إلى علم آخر » ، و : « إذا تصديت لتعليم علم أو للمناظرة فيه فلا تمزج به غيره من العلوم ، فإن كل علم مكتف بنفسه مستغن عن غيره فإن استعانتك في علم بعلم عجز عن استيفاء أقسامه كمن يستعين بلغة في لغة أخرى إذا علمها أو جهل بعضها » ، ويبدو أن علم اللغات المقارن ( فيلولوجيا ) لم يكن ابتكر بعد .
ولا يخفى ما في هذه الأقوال من الغرور بالنفس ، وهذا الغرور لازمه طوال حياته وتجلى سافرا في تاريخه وفي كتاباته وفي تأليفه ثلاث تراجم لنفسه ، إحداها لابنه ذكرها ابن أبي أصيبعة والثانية في النصيحتين ، والثالثة هي التي اطلع عليها ابن أبي أصيبعة ، ولا شك أن هذا الغرور أثر في مجرى حياته وكان سببا من أسباب عدم استقراره وكثرة تنقلاته ، ولعله كان سببا من أسباب حقد بعض معاصريه .
ولقد وصلت هذه الرذيلة فيه إلى حد الغطرسة ، وتبدو غريبة في عالم في مقامه وإن كانت مع الأسف منتشرة بين العلماء والأدباء ، ولم يفت ابن أبي أصيبعة وصفها - مع تقديره له - إذ قال « وكان رحمه اللّه ربما تجاوز في الكلام لكثرة ما يرى في نفسه » .
وقد تجلت هذه الظاهرة فيه منذ نشأته ، فإننا نراه يروى عن أيام تلمذته على الوجيه الوسيط أنه صار يسبق أستاذه في الحفظ والفهم .
مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية — صفحة 168
مساهمون: سعيد عبده
ص١٦٨