في عهد التحصيل ، وقد ذكر عن نفسه وهو يقرأ على الوجيه الواسطي في بغداد :
« وجعل يعلمني من أول النهار إلى آخره بوجوه كثيرة من التلطف فكنت أحضر حلقته بمسجد الظفرية ، ويجعل جميع الشروح لي ويخاطبني بها وفي آخر الأمر أقرأ درسى ويخصني بشرحه . ثم نخرج من المسجد فيذاكرنى في الطريق ، فإذا بلغنا منزلة أخرج الكتب التي يشتغل بها مع نفسه فأحفظ له وأحفظ معه . ثم يذهب إلى الشيخ كمال الدين فيقرأ درسه ويشرح له وأنا أسمع . وتخرجت إلى أن صرت أسبقه في الحفظ والفهم ، وأصرف أكثر الليل في الحفظ والتكرار » .
وقد دام على هذا النسق طوال حياته ، فها هو ذا يصف جدول أعماله اليومى بالقاهرة : يقرئ الناس في جامع الأزهر من أول النهار إلى نحو الساعة الرابعة ، ويأتي من يقرأ الطب عليه وغيره وسط النهار ، ويرجع إلى الأزهر فيقرأ عليه قوم آخرون آخر النهار ، وفي الليل يشتغل مع نفسه .
وقد نصح غيره بسلوك السبيل نفسه إذ قال : « ومن لم يعرق جبينه إلى أبواب العلماء لم يعرق في الفضيلة ، ومن لم يخجلوه لم يبجله الناس . . ومن لم يحتمل ألم التعليم لم يذق لذة العلم ، ومن لم يكدح لم يفلح » . ولعل قوله الأخير نبع عن جرح أصابه في نفسيته عندما قابل الشيخ كمال الدين كما أسلفنا ، وقال له هذا الشيخ إنه يجفو عن تعليم الصبيان .
وله أقوال تضئ طريقة تفكيره وسياقة استنتاجاته وتنم على التحرر من آراء سابقيه ، وهي أقوال تذكرنا بأبى الفلسفة الحديثة ديكارت
( Descartes )
، وتتلخص في عدم قبول القضايا قبل التحقق من صحتها ، وعدم الأخذ بما لم يدرس دراسة وافية ، والشك فيما لا يستند إلى برهان ، والاستعداد الذهني لتهذيب المعلومات المحصلة وإعادة النظر فيها . ومن هذه الأقوال : « أوصيك ألا تأخذ العلوم من الكتب وإن وثقت من نفسك بقوة الفهم » .
كما حرص على الدقة في الدرس وعلى استمرار التحصيل وعدم الاكتفاء ، وأدرك أن توقف المعرفة نقصان وقهقرة ، قال : « وإذا قرأت كتابا فاحرص كل