نجده فيها باحثا لا يكلّ ، أمينا في كل صغيرة وكل كبيرة ، يذكر مصادره كتابية كانت أو شفوية ، ولا يتأخر عن الاعتراف بأن أبحاثه في هذه النقطة أو تلك كانت غير مجدية ، أو بأن ذكره لمصدر كتابىّ كان مستمدا من ذاكرته ، أو بأنه نسي اسما أو تاريخا ، وهو في مجادلاته يلتزم الواقعية ويدلى بنقد صحيح عند تناوله نقطا جدلية . وقد كان ، مع ثقافته الشاملة وبخاصة في ميدان الفلسفة ، مسلما مؤمنا . . . وقد وقاه عمق هذه الثقافة من التعصب الديني ، فقد اعترف بفضل غير المسلمين في محله ، وصادق الطبيب اليهودي يوسف بن يحيى بحلب ( انظر ص 28 ) صداقة وفيه ، ولكن روح النكتة لم تنقصه ، كما ظهرت في هجائه لأهل دير البلاص ) لبخلهم ، وذلك أنه حين دخل هذه القرية لم يقدم له أهلها واجب الضيافة ، ثم أتاه رجل من أهل مصر ، يحمل جفنة بها دجاج وبيض وغير ذلك ، كانت له زوجة تغشى أهله بقفط وكان اسمها أم سراج ، فكتب على لوحة ، على سبيل الهزل لا الجدّ ، كما قال :
جزيت أمّ سراج كل مكرمة * فليس في الدير للأضياف إلاك
ولا سقى اللّه أرضا قد حللت بها * ودمت في نعمة الباري وحيّاك
فأنت كالورد حل الشوك جانبه * أباد ربّى شوكا حلّ مغناك
إن هذه الصورة ليست صورة رجل حقود ظالم ، وإن كان حاد اللسان .
وقد انتقد أبو الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي هجاء القفطي . قال هذا الكاتب عن البغدادي : « . . . وفيها الموفق أبو محمد . . . العلامة ذو الفنون البغدادي الشافعي النحوي اللغوي الطبيب الفيلسوف صاحب التصانيف الكثيرة ، ولد سنة 557 ، وسمع من جماعة كثيرين . . . ولقد بالغ القفطي في الحطّ عليه وظلمه وبخسه حقّه » ( 51 ) .
كما انتقده أيضا ابن مكتوم حيث قال ( 52 ) : « وظهر به تحامل القفطي عليه بما ذكره . وهذه عادته في هضم العصريين وحط مراتبهم وإيهام أنه عارف بمنازل العلماء ، وتمييز طبقاتهم ولم يكن هناك ولا قريبا . عفا اللّه عنه ، ولقد عرفه من نال منه » .