بالسموم ؛ بل يكون في غاية المضادّة للسموم ، حتى يفعل في السموم ، لا تفعل فيه ، ويقهرها ، ولا تقهره .
قلنا : يلزم على هذا أن يصير بدنه ، في هذه الحال ، شبيها بالأدوية التي تقهر السموم ؛ فيكون بدنه ، على هذا ، وسطا بين الأدوية والسموم . فيجب أن لا يبقي مزاجه على المزاج الطبيعي ، وكل ما يتغير مزاجه عن الأمر الطبيعي ، هذا المقدار من التغير قد يمكن أن يفسد ؛ وهو ، بالجملة ، مرض ، ويشبه ، إن وجد انسان قد صار مزاجه بهذه الحال ، كما قيل ، إنه وجد قوم اعتادوا السموم ، فصارت أغذية لهم .
فهذا كله خارج عن الطبع . وصناعة الطب ليس غرضها إفادة أمر خارج عن الطبع ؛ فالأبدان الطبيعية ، وهي الموجودة في الأكثر ، ليس ينفعها الترياق في حفظ صحتها ، بل يمرضها ؛ ولا ينفعها في أمراضها ، إذ كانت أمراضها معتادة تتولدت عن أخلاط غير سميّة .
هذا هو الذي أعتقده في هذه المسئلة .
وقد تكلمت ، مع أصحابنا المشاهير في الطب ، رحمة اللّه عليهم ، من المتولين علاج أبناء الخليفة ، ألا يشيروا عليهم باستعمال الترياق في حفظ صحتهم ، وأخذه على الدوام . فلم يفعلوا ، فأضرّ ذلك كثيرا بمن دوام استعماله منهم .
فالترياق ليس ممّا يجب أن يستعمل في حفظ صحة الأبدان التي مزاجها موجدة ، على الأكثر ، فضلا عن المزاج المعتدل . فإن المعتدل ، الذي يصفه الأطبّاء ، هو قادر الوجود « 49 » ، وإنما ذكره الأطبّاء ليكون سبارا للخارج عنه ؛ كما أن المزاج الذي يتولّد فيه الأمراض الشبيهة بالسموم ، هو أقليّ في الوجود .
وإذا كان هكذا ، كما وصفنا بالترياق ، لا ينبغي أن يستعمل في حفظ صحة بانسان صحته موجودة على الغالب من أنواع الصحة . أعني ، الصحة التي توجد في أكثر الناس ؛ وبخاصة ، من كان من هؤلاء شابا .
فإن هذه الصحة ، هي التي ينبغي أن يقال إنها طبيعية / / ؛ إذ الطبيعة ، هي الأكثرية .
وأما الصحة التي هي في غاية التمام ، فهي أيضا قليلة الوجود ؛ كما أن الصحة ، التي في غاية الردأة ، قليلة الوجود ؛ وكأنهما طرفان متقابلان ؛ وما بينهما ، هو المتوسط الوجود في الأكثر .
هامش
( 49 )Lectura incert .