والذي تقتضيه أصول جالينوس أن فعله في سم ، أضعف من فعل الدواء المختصّ بسم سم .
وذلك أن الأدوية الواقعة فيه المختصة بعلة علة ، قد يضادّ بعضها بعضا ؛ فتضعف قوة ذلك الدواء المختصّ بتلك العلة . وأيضا ، فإن الذي يقع من الدواء المختصّ في الشربة منه جزء يسير ، حتى لقد قال قوم : كيف تنفع أدوية يقع منها في الشربة جزء ، أو أخذ كل واحد على حدته ، لم تكن له منفعة أصلا .
والجواب أن كل جزء من أجزاء الترياق يوجد فيه جميع أنواع القوى الموجودة في الأدوية المفردة الواقعة فيه ، ففي كل جزء منه توجد مثل قوة الأفيون وقوة الفربيون وسائر القوى الموجودة في الأدوية ، التي تركب منها ، كما يوجد في كل جزء من أجزاء التفاحة الريح واللون والطعم .
وكما توجد في الأسطقسات الأربعة وكيفياتها الأربع في كل جزء من أجزاء الجسم المركّب منها ، لكن ، لمّا كان وجودها على جهة الاختلاط ، وجب أن تكون القوى الموجودة في المركب أضعف من القوى الموجودة في الأسطقسات ، التي تركب منها .
فإن كان هذا حال الترياق ، فواجب أن يكون في كل جزء منه جميع أجزاء الأدوية ، التي تركب منها ، على جهة الاختلاط ، وجميع قواها ، وأن تكون أضعف من قوى الأدوية الأول .
وإذا كان هذا هكذا ، فالترياق أضعف قوى في علة علة من العلل البسائط من الدواء المختصّ بتلك العلة ، إلا أن هذا شبيع . فإن المشهور أن الترياق يشفي العلل الكبار ؛ فإن صحّ هذا بالتجربة ، فقد اتّفق للترياق أمر يتّفق في الأقل للممتزجات ، هو أن يتولد من المجموع قوة أعظم من القوى الموجودة في المفردات ، التي تركب عنها ذلك المجموع .
مثال ذلك قد يتولد من الماء والأرض ، ما أثقل من مجموعها ، مثل الرصاص والزنبق ومثل ما يقال : إنّ النار المختلطة ، هاهنا ، بالمواد التي تقبل الاختراق أحرّ من النار البسيطة ، التي في مقعّر فلك القمر .
وأما هل الأمر في الترياق هكذا ، فليس / / سبيل إلى تصحيحه ، إلا بالتجربة . دلّيني للقياس في ذلك مدخل ، ولعلّ هذا إنما يعرض في بعض القوى الموجودة في الترياق دون بعض ؛ أعني ، أن يكون بعض القوى الموجودة فيه أقوى من قوى الأدوية المفردة ، التي تركب منها . وإذا تقرّر هذا ، فكيف ما كان الأمر ، فلا خلاف أن الترياق نافع من السموم ، وأنه يجب أن تكون الشربة منه تختلف مقدارها ، بحسب اختلاف مقدار السم ومقدار قوة البدن الوارد عليه . وهذه المقادير ، لا سبيل إلى إثباتها بالقياس ، بل بالتجربة .
مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس — صفحة 258
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٥٨