حكى هذا جالينوس ، في كتابه « في الترياق » . وابن سيناء يقول : « إن الترياق مقو ، بجملة جوهره ، للحرارة الغريزية ، بما هي حرارة غريزية ؛ ومفيد لها جميع القوى التي بها تفعل الإبراء في جميع الأمراض ، وتفعل الصحة في جميع الأعضاء » .
وأما أصول جالينوس ، فتقتضي نقيض هذا . وذلك أن الأدوية النافعة من السموم ، هي وسط بين الأدوية والسموم ، كما قال الرجل ، في كتابه « في الأدوية المفردة » . فإن كانت الأغذية . هي الحافظة للصحة الكاملة ، والأدوية للصحة الغير كاملة ، والسموم مفسدة لنوعي الصحة ، وأدوية الترياق الغالب عليها ، هي وسط بين الأدوية والسموم ؛ وكان كل مركب حكمه حكم الغالب عليه ، فقد يجب أن يكون الترياق وسطا بين الأدوية والسموم .
وإذا كان وسطا ، فهو ضرورة أقوى من الأدوية ، وأضعف من السموم ؛ فلا يحفظ الصحة ، التي تحفظها الأدوية الشافية من الأمراض ، ولا يشفى الأمراض التي يشفيها الأدوية ؛ إذ هو أقوى من الأدوية . بل إن حفظ صحة ما . فإنما يحفظ الصحة ، التي هي مستعدة ؛ لأن تقبل أمراضا من أخلاط شبيهة بالسموم ، وإن أقوى فيمن هذه الأمراض .
وبين هذه الأمزجة ، هي أقلية في الناس ؛ فعلى هذا ، فإنما يحفظ صحة من يخاف عليها أن يقع في مثال هذه الأمراض .
وأما ما يقال : « إن من دوام على أخذ هذا الترياق ، فإنه لا يعمل فيه سم » ، مثل ما حكاه جالينوس عن الملك الذي استعمل المثروديطوس ؛ ويبقي مع ذلك مزاج ذلك الانسان على أصله الطبيعي ، فهو باطل .
وذلك أن السم ، إن كان مضادّا لبدن الانسان ، فإنه إنما يصير إلى حال لا يعمل فيه السم ، إذا كان شبيها « 47 » بالسم . فإن الذي لا يفعل في شيء ، هو شبيه به ، كما أن الذي يفعل في شيء ، هو ضدّ له : قد تبيّن ذلك القدماء في كتبهم ، وليس بينهم / / في هذه القضية اختلاف .
فإن كان بدن هذا الانسان شبيها بالسم ، والسم مضادّ لبدن الانسان ، فبين أن بدن هذا الانسان يصير ، باستعمال الترياق ، مضادا لبدن الانسان . وما هو مضادّ لبدن الانسان ، فليس هو إنسانا فهذا « 48 » . ومن صار مزاجه مضادّا لمزاج الانسان ، فليس يمكن أن يبقى إنسانا . وإن بقي ، فزمان يصير ، ويكون هذا الانسان مزاجه موافق لمزاج ذوات السموم .
فإن قيل : ليس ، إذا صار بدن الإنسان في حد لا تفعل فيه السموم ، يكون شبيها
هامش
( 47 )parrafo muy corrupto .( 48 )Lectura incert .