/ / بسم اللّه الرحمن الرحيم قال الشيخ الفقيه القاضي الإمام الأوحد الحكيم الفاضل أبو الوليد محمد بن محمد بن رشد رضي اللّه عنه وغفر له أما بعد ، حمد للّه تعالى ، والصلاة على محمد رسوله المصطفى . فإنه سألني من وجبت عليّ طاعته ، وتعينّ لديّ شكره ، وتقدم إليّ فضله ، وبرّه أن أثبت له ، على طريق البرهان الطبّيّ ، ما قاله الأطباء في المواضع التي يستعمل فيها الترياق . وما ضمنوه من أفعاله .
فأقول : إن الذي حرّك القدماء ، أولا ، إلى تأليف الترياق ، هو شفاء جميع السموم الحيوانية والنباتية ؛ وخاصة ، السموم الحيوانية .
وذلك أنه ، لمّا كمل بالتجربة معرفة أنواع السموم ، وأفعالها في بدن الانسان ، وعرفت ، أيضا ، الأدوية المختصّة بشفاء سم من أصناف السموم ، وكان ، كثيرا ما ، لا يعرف نوع السم الذي يرد على بدن الانسان وإن عرف ، ربّما لم يوجد الدواء المختصّ بشفائه أو الأدوية ، رأى من جاء بعده من أفاضل القدماء أنه ، إن ركب دواء واحد ، مؤلف من أكثر الأدوية المخصوصة النفع بسم سم ، أنه يأتي من ذلك دواء واحد ينفع من جميع السموم ، سواء كان ذلك السم مجهولا أو معلوما ؛ وجد دواؤه الخاص به أو لم يوجد .
وإنما حرّض القدماء ، على هذا ، لأن المعالجة به أيسر على المعالج ، أو المتعالج ، أو المعالج .
أما على المعالج ، فلأن المعالج ليس يحتاج إلى معرفة نوع السبب ، وهي أعظم مؤونة ترتفع على المعالج ، إذا كان الخطأ يعرض له أكثر ذلك في معرفة السبب ؛ وكل معرفة السبب ، هو الركن الأول الذي يبتني عليه العلاج .
فهذا ، هو أعظم منافع الترياق باتّفاق ، وهو أمر معلوم بنفسه . وأما المنفعة الثانية المستفادة من تركيبه للمعالج والمتعالج ، معا ، فإنه قد يعرف نوع السبب الممرض ، ولا يوجد الدواء الخاص به في / / وقت طرؤ العلة . وإن تأخّرت المدواة ، هلك العليل .
فهاتان المنفعتان من منافع الترياق ، هما مجمع عليهما ، وليس يقدر أحد أن ينازع فيها .
وأما هل يوجد فعل هذا الدواء في نوع من أنواع السموم ، مثل فعل الدواء المختصّ بشفاء ذلك النوع من السم ، أو يوجد أقوى منه ، أو مقصّرا عنه ، ففيه فحص عريض .
مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس — صفحة 257
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٥٧