السواء ؛ لأنه ما كان يوجد لها فعل واحد ، بل فعلان اثنان ؛ إذ كان ليس يمكن في الأفعال المتضادّة أن تختلط ، حتى يكون عنها فعل واحد . أعني ، أنه ليس بين الأفعال المتضادّة فعل واحد ، وهو وسط . لأنه ، كما أنه ليس بين فعل الصحّة ، الذي هو جودة الفعل ، وبين فعل المرض ، الذي هو ضرر الفعل ، متوسط ؛ إذ كان ليس يمكن الفعل الواحد أن يكون بعضه مضرورا ، وبعضه غير مضرور ، كذلك ليس يمكن في الفعل الواحد ، أن يكون بعضه مسخنا ، وبعضه مبردا ؛ بل ، إن بعضه مسخنا ، وبعضه مبردا ، فهما فعلان ضرورة ، لا فعل واحد .
ولنزد هذا وضوحا ، فنفرض جسمين : أحدهما حار ، والآخر بارد . واختلطا ، على السواء ، حتى صارا إلى صورة متوسطة بينهما ، على السواء ؛ مثل أن يكون أحدهما في درجة من الحرارة ، والآخر في تلك الدرجة من البرودة . فانحطّ كل واحد منهما إلى نصف درجته ، بفعل ضدّه فيه .
فأقول : إنه ليس يأتي عنها موجود واحد ، متوسط على الشرط . وذلك أن الموجود الواحد ، إنما يكون له فعل واحد ؛ والفعل الواحد ، إنما ينسب إلى الحر ، أو البرد في الممتزج ؛ وإلا كأنه هنالك ، فعلان اثنان ؛ أعني ، إذا كان في الممتزج من البرودة ، مثل ما فيه من الحرارة . فيكون / / لذلك الممتزج فعلان .
وذلك أنه ، إن تصوّر في الممتزج الاختلاط ، على التساوي ؛ فليس يمكن أن يتصوّر في الأفعال المتضادّة اختلاط ، إلا أن يكون أحد الفعلين غالبا ؛ ويكون الفعل الآخر مغلوبا ، حتى ينسب الفعل إلى الغالب . وإن كان قد انحط عن رتبته قبل الامتزاج ، أعني امتزاج الكيفية التي صدر عنها الفعل ، وليس لقائل أن يقول : إنه إذا لم يمتزج الأفعال ، على السواء ، حتى يأتي بينهما فعل متوسط ، وكان ذلك هو السبب في أن لم يكن بين الصحة والمرض متوسط ؛ فليس هاهنا ، في الحقيقة ، متوسط بين الأطراف المتضادّة ، هو بالصورة والكيفية غير كل واحد من الطرفين ؛ بل إنما يكون المتوسط يخالف الطرفين بالأقل والأكثر ؛ والمخالف بالأقل والأكثر ، ليس هو متوسطا ، بالحقيقة ، بل أن قيل فيه متوسط فبشبيه .
وهذه هي حال الصحة مع المرض ، أعني ، أن الصحة لها عرض تنقسم من قبله إلى الأقل والأكثر ، وكذلك المرض . وليس بين آخر درجات الصحة وأول درجات المرض واسطة ، هي لا صحة ولا مرض .
وإن كان ذلك كذلك ، فيكون الحار والبارد لهما عرض يختلفان فيه بالأقل والأكثر ، ويكون أخر درجات الحار أول درجات البارد ، من غير أن يكون هنالك وسط ؛ أعني ، مزاجا
مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس — صفحة 249
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٤٩