المكوّن ، قيل فيهما ، إنهما كيفيتان فاعلتان ؛ لأن المكوّن ، إنما هو مفعول به من قبلهما .
وأما الرطوبة واليبوسة ، فبين أيضا من حدّهما هنالك ، أنهما كيفيتان منفعلتان في المكوّن ، لا فاعلتان فيه ؛ إذ كان التكوّن ، إنما يقبل الانفعال من قبلهما . وذلك أن من قبل الرطوبة يكون الاختلاط له ، ومن قبل اليبوسة يكون له القوام والشكل . ولذلك ، قيل في حد الرطوبة ، أنها سهلة الانحصار من غيرها ، عسيرة الانحصار من ذاتها . وقيل في حد اليبوسة ، أنها عسيرة « 42 » الانحصار من غيرها ، سهلة الانحصار من ذاتها
وإذا كان هذا هكذا ، هو بين أن الكيفيات اليابسة والرطبة ليست فاعلة في المكوّن ، وإنما هي فيه منفعلة . وإن الحرارة والبرودة ، هي فيه فاعلة فقط . ومن هذه الجهة ، قال أرسطو في الحرارة والبرودة : « إنهما فاعلتان فقط » . أعني ، من جهة مقايستهما إلى الرطوبة واليبوسة . وقال في اليبوسة والرطوبة ، « إنهما منفعلتان ، لا فاعلتان ؛ بالمقاسة ، أيضا ، إلى الحرارة والبرودة »
وأما جالينوس وغيره ، فلمّا لم يفهموا عنه هذا المعنى ، الذي هو بإضافة فعل الحرارة والبرودة في الرطوبة واليبوسة في المكوّن ، ووجد كل واحدة من هذه الأربعة تفعل في صاحبتها ، قالوا : « إنها كلها كيفيات فاعلة » . وصرفوا قول أرسطو إلى تأويلات بعيدة ، مثل ما يذهب إليه جالينوس من أن أرسطو ، إنما قال في الحرارة والبرودة إنهما فاعلتان فقط ؛ لأن الفعل فيهما ، ظهر منه في الكيفيتين الأخرين
وإذا كان هذا ، كما وصفنا ، وكانت / / الكيفيات الفاعلة ، هي مسؤولية في الكون على المنفعلة والحاصرة لها ، فبين أن الكيفيات الفاعلة ، هي أغلب في الكون من المنفعلة وأن الفساد ، إنما يدخل في المكوّن ، عند غلبة المنفعلة للفاعلة ، أعني ، إذا لم تقدر الفاعلة أن تحصرها وتستولي عليها .
وإذا كان ذلك كذلك ، فلم يمكن أن يوجد موجود طبيعي الكيفيات الأول الأربعة فيه ممتزجة على السواء ؛ فيجب مع هذا ، في كل موجود ، أن يكون في وقت الكون ، أعني ، الطبخ والانهضام ، الحرارة فيه أغلب من البرودة ؛ والرطوبة أغلب من اليبوسة ، مع كون الفاعلتين أغلب من المنفعلتين . فإن كان الموجود ممّا لا يخلو منه الطبخ ، بل يوجد له دائما بعد تمام كونه ، قيل في مزاجه ، إنه حار رطب . وهذا هو المغتذي من الموجودات . ولذلك ، قال القدماء : « إن كل حيوان ، فهو في حال حياته حار رطب . وإنه إذا مات ، بارد يابس .
هامش
( 42 ) الانهضامEl texto escribe y tacha .