قال فيظهر أن هاهنا قوة منمية وقوة مغذية . وهذه كلها جهلها ارسسطراطس من أفعال الطبيعة من مدحه لها . فإذا نجده يتوهم أن نموّ الحيوان ، بمنزلة الحلة أو المنحل أو السلة ، التي تلف على أطرافها أجزاء شبيهة بالأجزاء ، التي كان منها تركيبها من أول الأمر . وهذا ليس يسمّى نموّا ، لأنا إنما نقول في الحلة والبيت ، وأمثال هذه ما لم تتمّ صورته ، « إنها تتكون » ؛ لا نقول « إنها تنمو » .
وإذا كان ذلك كذلك ، فمن البين أن ما ينمو إنما ينمو ، بعد أن تتمّ صورته . وذلك ، إذا كان للحيوان سبل وفم وبطن ، وما بعد هذه من الأعضاء . فالنموّ . إنما يكون ، لما تمّت صورته ؛ وبالجملة ، فالنموّ يكون ، لما هو موجود ؛ والكون ، لما لم يجود بعد .
وهذا كله ما كان يذهب على ارسسطراطس ، لو كان ، كما قالت شيعة قد لقي الفلاسفة المعروفين بالمشائين .
وذلك ان هذا الرجل ، إن / / كان يوافق المشائين في مدحهم الطبيعة ، ووصفهم إياها بأنها حكمية ، فإنّ سائر ما يقوله ، ليس يقرب منهم في واحد منها .
فإن من قرأ كتاب أرسطاطاليس وتافرسطوس ، وعلم أنها إنما هي تذاكير لأقاويل ابقراط في الطبائع . وذلك أنه أول من قال : « إنّ بالكيفيات الأربع تفعل الأشياء بعضها في بعض ، وتتمازج بكليتها ؛ وإنّ جميع ما يغتذي ، يقبل الغذاء في جميع أجزائه ؛ وإنّ الهضم استحالة ما في الغذاء إلى كيفية المغتذي ؛ وإنّ النموّ يحدث عن اغتذاء الجسم وامتداده إلى جميع الجهات . فإنّ بالحرارة الغريزية يكون الهضم وسائر القوى ؛ وبالجملة ، فكل ما قيل في القوى ، وفي تولد الأمراض ، وفي وجود العلاج » .
فإنه يعلم أن أول من قاله ، على الصواب ، ابقراط . ثم شرح ذلك كله ، بعده ، ارسططاليس شرحا محكما . فإن كان لا يرى هذا كله ارسسطراطيس ، فأي منفعة كان له في لقاء المشائين . وإنما أراد بذلك أصحابه ، ليصححوا كلامه في الطبائع . فيقال : « إن صححتم كلام المشائين ، بطل كلام صاحبكم . وإن صححتم كلام صاحبكم ، فكلام المشائين باطل » . فإنه لم يوافق المشائين ، على شيء مما قالوه في الكون والفساد والصحة ، والمرض والعلاجات ، أن على ما فعلته الطبيعة ؛ فإنما تفعله لمنفعة مّا ، وأنها لا تفعل باطلا .
وذلك أنه يقول هذا القول ، ولكن يناقضه كثيرا ، مثل قوله في الطحال ، أنه خلق عبثا وكذلك في الثرب . وكذلك في العروق المتصلة بالكليتين ، وكذلك يقول في العروق الضوارب
قال فلنرجع إلى ما كنّا فيه ، ونقول قولا يسيرا في مناقضة ارسسطراطيس . ثم
مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس — صفحة 133
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٣٣