وذلك أن هذه القوة ، هي مع المني ، كما أن القوة الصناعية ، هي مع الصانع ؛ لكنها لا تفعل إلا إذا وجدت المادة ، وما ستها بالأفعال والأشكال والصور إنما يستفيدها المصوّر من القوة المصورة ، لا من المادة . ولذلك إذا يغير المني في الكم ، أو في الكيف ، لم يحدث عنه شيء . وكذلك إذا تغير الدم الذي يفعل فيه ، في الكم أو في الكيف ، لم يحدث عنه شيء
قال فهل المقدار لكمية الدم الذي منه الفعل . هو لقوة أخرى غير القوة المصورة التي في المني ؛ أم هو كذلك القوة بعينها ، هو شيء يجب البحث عنه .
فما كان ينبغي لارسسطراطيس ، لو كلن حيا ، أن يجيب عن ذلك
قال أما أنا ، فأرى أنه كلن يقول : « إنّ المني ، هو الصانع بمنزلة فلان الصانع لتماثيل الشمع . وأما الدم ، فهو بمنزلة الشمع . فإنّ كل صانع التماثيل من الشمع ، هو الذي يقدر كيفية الشمع الذي منه يصنع تمثالا تمثالا ، كذلك يجب أن يكون المني ، هو إنما يصورون منها ويشكلون وينمقون الخارج . وأما داخل التماثيل ، الذي يقدر كمية الدم الذي منه ، يكون الجنين » .
وهو الذي يجيب به ارسسطراطس ، لأنه ما كان يضع تقدير الكمية والكيفية للمادة .
قال لكن ، متى توهمت هذا للمني الفعل من غير فكر ولا رؤية ، كنت قد أخطأت علما . لأنه لو كان له فكر لكان المني إنسانا . وإذا كان كذلك ، فقد أقررنا جميعا نحن واسسطراطس أن في المني قوة جاذبة ، بها تقدر كمية الدم المنصبّ إليه في الرحم
وذلك أن أول أفعال المني ، هو أن تجتذب إليه من الدم مقدارا معتدلا . والمعتدل منه ، هو ما كان من اللطافة والهوانية بحال ، إذا اجتذبه المني ، أجابه .
قال وإذا كان هذا كله هكذا ، فقد وجدت أيضا مع القوة الجاذبة في التوليد قوة متغيرة / / ثانية ؛ ولم يذكرها ارسسطراطس في شيء من كتبه . وثالثة ، وهي المصورة التي يعمل بها المني غشاء رقيقا يحيط به بمنزلة الغشاء ، الذي يعلو الرطوبات الغليظة ، وهذا الغشاء ، هو الذي رآه ابقراط مشتملا على المني الذي سقط من الجارية المعساء ، بعد ستة أيام ؛ وشبهه بالقشرة الداخلة من قشور البيضة . ثم يتولد ، بعد ذلك ، سائر ما وصفه ابقراط في كتابه « في طبيعة المني »
قال ولو كان كل واحد من الأعضاء المصورة تثبت صورته ، على ما هو عليه من الصغر من أول كونه ، لم يكن لينتفع به بمنزلة ما يظهر من أمر القلب أنه في أول خلقته ، بمنزلة حب الجاورس . فلا بد ، إذا أن ينمي وينشأ ، ونمّوه إنما يكون باغتذائه وامتداده في جميع أقطاره ، كما تقدم من قولنا .
مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس — صفحة 132
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص١٣٢