فلنعد إلى القول في أمر مصير البول إلى الكلى ، ثم إلى المثانة ؛ ونضرب فيه عن هذيان اسقليبادس ، ونتكلم فيه مع من يعترف أن البول يتصفّى من الدم ، الذي في عروق الكبد ، ويصير إلى الكلى ؛ ثم يصير إلى المثانة عن السبب الذي أوجب له هذا المسير .
وذلك أنه لا يخلو أن يكون مسيره ذلك عن اختيار منه ، كما تخرج أنت إلى السوق باختيارك ، أو يكون بوجه غير ذلك ؛ إذ هو بين أنه لا يكون ذلك المسير منه / / باختيار ؛ وإذا لم يكن منه ذلك المسير باختيار ، فقد بقي أن يكون إما بجذب الكلى له ، كما ظنّ إبقراط ؛ إما بدفع العروق إلى الكلى ، وذلك بأن تتقبض عليه ، ثم تدفعه ؛ لكن ، لو دفعته إلى الكلى ، لدفعت معه الدم الذي هو مختلط به إلى الكلى ، ولكان وضع العرق الذي تتصفى منه المائية إلى الكلى ، وضعا يمكن ذلك فيه ؛ فإن كان هذا ، ليس يمكن ، كما سنبين بعد ، فقد بقي أن تكون الكلى ، هي الجاذبة له .
قال وإنما كان ذلك الوضع ، غير ممكن فيه ذلك ، لأن ليس وضع الكلى موضوعتين تحت العرق الأجوف ، كالحال في وضع المجاري الشبيهة بالمصفي من الدماغ لجريان الفضول منها إلى الأنف والحنك . وأما الكلى موضوعتان عن جنبي العرق الأجوف .
قال ولو كانت الكلى نفسها بمنزلة الراؤق ، لكان يجب أن يأتي الدم كله إليها ؛ ثم يتميز الماء منه إلى المثانة ، كما تتميز مائية اللبن من السلّة التي يعمل فيها الجبن . فإنه يرشح من تلك السلّة ماء الجبن ، ويبقى فيها الجزء الأرضي الذي يسمّى جبنا .
وإذا لم يكن هذا الموضع موجودا في العرق الأجوف مع الكلى ، فلم يبق أن يكون يصير المائية إلى الكلى ، إلا بجذب الكلى تلك المائية من الدم بوساطة المصفّي الذي هنالك .
قلت في هذه الحركة المسمّاة جذبا فحص . وذلك أنها ليست حركة قسرية « 87 » للمجذوب من الجاذب ، كالحركة التي للمدفوع من الدافع ؛ ولذلك لما توهم القدماء أنها بهذه الصفة ، رأوا أنه يجب أن يكون هاهنا أجسام بها يقع الجذب ، كما يعرض للإنسان إذا جذب لنفسه جسما من الأجسام .
والحق هو أن المجذوب إذا دنا من الجاذب ، تولدت / / كيفية شوقية يتحرك من قبلها المجذوب إلى الجانب للمشاكلة ، التي بين المجذوب والجاذب ، عند حصول تلك الكيفية فيه ؛
هامش
( 87 ) قصريةB ,